تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم . إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون . قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين
شرح
وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شئ . فإن قلت : قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا وما ذكر إلا الغفران وحده ؟ قلت : معناه : فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك الله سبيل الحق التي نهجها لعباده ودعا إليها ( إنك أنت العزيز الحكيم ) أي الملك الذي لا يغلب ، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا إلا بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك ( وقهم السيئات ) أي العقوبات أو جزاء السيئات ، فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها ، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة . فإن قلت : ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون ، موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد ؟ قلت : هذا بمنزلة الشفاعة وفائدته زيادة الكرامة والثواب . وقرئ جنة عدن وصلح بضم اللام والفتح أفصح ، يقال صلح فهو صالح وصلح فهو صليح . وذريتهم : أي ينادون يوم القيامة فيقال لهم ( لمقت الله أكبر ) والتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم فاستغنى بذكرها مرة و ( إذ تدعون ) منصوب بالمقت الأول ; والمعنى أنه يقال لهم يوم القيامة : كأن الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن . وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله . وقيل معناه : لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله تعالى - يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا - وإذ تدعون تعليل ، والمقت : أشد البعض ، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشده ( اثنتين ) إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين ، وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا وإماتتهم عند انقضاء آجالهم
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 417 | الزمخشري