ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا
واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن
شرح
بالصلاح لذلك ، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى - ثم كان من الذين آمنوا - فأبان بذلك فضل الإيمان ،
وفائدة أخرى وهى التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ،
ولما وصفوا بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب ، فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم علم أن إيمانهم وإيمان
من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في أن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير ، وأنه
لا طريق إلى معرفته إلا هذا ، وأنه منزه عن صفات الأجرام وقد روعي التناسب في قوله - ويؤمنون به - ( ويستغفرون
للذين آمنوا ) كأنه قيل : ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم ، وفيه تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان
يجب أن يكون أدعى شئ إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن ،
فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ، ولا بين سماوي وأرضى قط . ثم لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلى
والتناسب الحقيقي حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض ، قال الله تعالى - ويستغفرون لمن في الأرض -
أي يقولون ( ربنا ) وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانا ليستغفرون مرفوع المحل مثله وأن يكون حالا . فإن قلت :
تعالى الله عن المكان فكيف صح أن يقال وسع كل شئ ؟ قلت : الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شئ في المعنى ،
والأصل وسع كل شئ رحمتك وعلمك ، ولكن أزيل الكلام من أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم ،