ثم إن مرجعهم لإلى الحجيم . أنهم ألفوا آباءهم ضالين . فهم على آثارهم يهرعون .
ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين . ولقد أرسلنا فيهم منذرين . فانظر كيف كيف كان
عاقبة المنذرين . إلا عباد الله المخلصين . ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون .
ونجيناه وأهله من الكرب العظيم . وجعلنا ذريته هم الباقين . وتركنا عليه في الآخرين .
سلام على نوح في العالمين . إنا كذلك نجزى المحسنين . إنه من عبادنا
المؤمنين . ثم أغرقنا الآخرين *
شرح
إن لهم عليها لشوبا - وفى قوله ( ثم إن مرجعهم ) ؟ قلت : في الأول وجهان أنهم يملئون البطون من شجر
الزقوم وهو حار يحرق بطونهم ويعطشهم فلا يسقون إلا بعد ملى تعذيبا بذلك العطش ، ثم يسقون ما هو أحر وهو
الشراب المشوب بالحميم . والثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة ، ثم ذكر الشراب بما هو أكره وأبشع ،
فجاء بثم للدلالة على تراخى حال الشراب عن حال الطعام ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه ، ومعنى الثاني :
آنهم يذهب بهم عن مقارهم ومنازلهم في الجحيم وهى الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم فيأكلون إلى أن
يمتلؤوا ويسقون بعد ذلك ثم يرجعون إلى دركاتهم ، ومعنى التراخي في ذلك بين . وقرئ ثم إن منقلبهم ثم إن
مصيرهم ثم إن منفذهم إلى الجحيم . علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كأنهم بتقليد الآباء في الدين واتباعهم
إياهم على الضلال وترك اتباع الدليل ، والهراع : الإسراع الشديد كأنهم يحثون حثا . وقيل إسراع فيه شبه بالرعدة
( ولقد ضل قبلهم ) قبل قومك قريش ( منذرين ) أنبياء حذروهم العواقب ( المنذرين ) الذين أنذروا وحذروا :
أي أهلكوا جميعا ( إلا عباد الله ) الذين آمنوا منهم وأخلصوا دينهم لله أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين . لما ذكر
إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين أتبع ذلك ذكر نوح ودعائه إياه حين أيس من قومه . واللام
الداخلة على نعم جواب قسم محذوف ، والمخصوص بالمدح محذوف وتقديره : فوالله لنعم المجيبون نحن ، والجمع
دليل العظمة والكبرياء ، والمعنى : إنا أجبناه أحسن الإجابة وأوصلها إلى مراده وبغيته من نصرته على أعدائه
والانتقام منهم بأبلغ ما يكون ( هم الباقين ) هم الذين بقوا وحدهم وقد فنى غيرهم ، فقد روى أنه مات كل من كان
معه في السفينة غير ولده ، أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة . قال وكان لنوح عليه السلام
ثلاثة أولاد : سام وحام ويافث ، فسام أبو العرب وفارس والروم ، وحام أبو السودان
من المشرق إلى المغرب ، ويافث أبو الترك ويأجوج ( وتركنا عليه في الآخرين ) من الأمم هذه الكلمة وهى
( سلام على نوح ) يعنى يسلمون عليه تسليما ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي كقولك قرأت سورة أنزلناها .
فإن قلت : فما معنى قوله ( في العالمين ) ؟ قلت : معناه الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا وأن لا يخلوا أحد منهم
منها ، كأنه قيل : ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم . علل مجازاة نوح
عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ذكره وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا ، ثم علل كونه