* في جنات النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء
لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين *
كأنهم بيض مكنون * فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون
شرح
الهمم ، كما أن من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هو أن أهل النار وصغارهم . التقابل أتم للسرور وآنس .
وقيل لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض . يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا قال :
* وكأس شربت على لذة * وعن الأخفش كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وكذا في تفسير ابن عباس ( من
معين ) من شراب معين ، أو من نهر معنى : وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون ، وصف بما يوصف به
الماء لأنه يجرى في الجنة في أنهار كما يجرى الماء قال الله تعالى - وأنهار من خمر - ( بيضاء ) صفة للكأس ( لذة ) إما
أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها ، أو هي تأنيث اللذ ، يقال لذ الشئ فهو لذ ولذيذ ووزنه فعل كقولك
رجل طب ، قال :
ولذ كطعم الصرخدي تركته * بأرض العدا من خشية الحدثان
يريد النوم . الغول من غاله يغوله غولا : إذا أهلكه وأفسده ، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب ، وفي
أمثالهم : الغضب غول الحلم ، و ( ينزفون ) على البناء للمفعول من نزف الشارب : إذا ذهب عقله ، ويقال للسكران
نزيف ومنزوف ، ويقال للمطعون نزف فمات : إذا خرج دمه كله ، ونزحت الركية حتى نزفتها : إذا لم تترك فيها
ماء ، وفي أمثالهم : أجبن من المنزوف ضرطا ، وقرئ ينزفون من أنزف الشارب : إذا ذهب عقله أو شرابه ، قال :
لعمري لئن أتزفتمو أو صحوتمو * لبئس الندامة كنتمو آل أبجرا
ومعناه صار ذا نزف ، ونظيره أقشع السحاب وقشعته الريح وأكب الرجل وكببته وحقيقتهما دخلا في القشع
والكب . وفي قراءة طلحة بن مصرف ينزفون بضم الزاي من نزف ينزف كقرب يقرب إذا سكر ، والمعنى : لا فيها
فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير
ذلك ، ولا هم يسكرون وهو أعظم مفاسدها ، فأفرزه وأفرده بالذكر ( قاصرات الطرف ) قصرن أبصارهن على
أزواجهن لا يمددن طرفا إلى غيرهم كقوله تعالى - عربا - والعين النجل العيون ، شبههن ببيض النعام المكنون في الادحى وبها
تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور . فإن قلت : علام عطف قوله ( فأقبل بعضهم على
بعض ) ؟ قلت : على يطاف عليهم ، والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب ، قال :
وما بقيت من اللذات إلا * أحاديث الكرام على المدام
فيقبل بعضهم على بعض ( يتساءلون ) عما جرى لهم وعليهم في الدنيا ، إلا أنه جئ به ماضيا على عادة الله ، في أخباره