تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
* في جنات النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كأنهم بيض مكنون * فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون
شرح
الهمم ، كما أن من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هو أن أهل النار وصغارهم . التقابل أتم للسرور وآنس . وقيل لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض . يقال للزجاجة فيها الخمر كأس وتسمى الخمر نفسها كأسا قال : * وكأس شربت على لذة * وعن الأخفش كل كأس في القرآن فهي الخمر ، وكذا في تفسير ابن عباس ( من معين ) من شراب معين ، أو من نهر معنى : وهو الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون ، وصف بما يوصف به الماء لأنه يجرى في الجنة في أنهار كما يجرى الماء قال الله تعالى - وأنهار من خمر - ( بيضاء ) صفة للكأس ( لذة ) إما أن توصف باللذة كأنها نفس اللذة وعينها ، أو هي تأنيث اللذ ، يقال لذ الشئ فهو لذ ولذيذ ووزنه فعل كقولك رجل طب ، قال : ولذ كطعم الصرخدي تركته * بأرض العدا من خشية الحدثان يريد النوم . الغول من غاله يغوله غولا : إذا أهلكه وأفسده ، ومنه الغول الذي في تكاذيب العرب ، وفي أمثالهم : الغضب غول الحلم ، و ( ينزفون ) على البناء للمفعول من نزف الشارب : إذا ذهب عقله ، ويقال للسكران نزيف ومنزوف ، ويقال للمطعون نزف فمات : إذا خرج دمه كله ، ونزحت الركية حتى نزفتها : إذا لم تترك فيها ماء ، وفي أمثالهم : أجبن من المنزوف ضرطا ، وقرئ ينزفون من أنزف الشارب : إذا ذهب عقله أو شرابه ، قال : لعمري لئن أتزفتمو أو صحوتمو * لبئس الندامة كنتمو آل أبجرا ومعناه صار ذا نزف ، ونظيره أقشع السحاب وقشعته الريح وأكب الرجل وكببته وحقيقتهما دخلا في القشع والكب . وفي قراءة طلحة بن مصرف ينزفون بضم الزاي من نزف ينزف كقرب يقرب إذا سكر ، والمعنى : لا فيها فساد قط من أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو لغو أو تأثيم أو غير ذلك ، ولا هم يسكرون وهو أعظم مفاسدها ، فأفرزه وأفرده بالذكر ( قاصرات الطرف ) قصرن أبصارهن على أزواجهن لا يمددن طرفا إلى غيرهم كقوله تعالى - عربا - والعين النجل العيون ، شبههن ببيض النعام المكنون في الادحى وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور . فإن قلت : علام عطف قوله ( فأقبل بعضهم على بعض ) ؟ قلت : على يطاف عليهم ، والمعنى : يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب ، قال : وما بقيت من اللذات إلا * أحاديث الكرام على المدام فيقبل بعضهم على بعض ( يتساءلون ) عما جرى لهم وعليهم في الدنيا ، إلا أنه جئ به ماضيا على عادة الله ، في أخباره
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 340 | الزمخشري