تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
إن هذا لهو الفوز العظيم . لمثل هذا فليعمل العاملون . أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ؟ . إنا جعلناها فتنة للظالمين . إنها شجرة تخرج في أصل الحجيم . طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون . ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم .
شرح
من الموت ؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت ، يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه ليكون توبيخا له يزيد به تعذبا ، وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزاجرا . ويجوز أن يكون قولهم جميعا وكذلك قوله ( إن هذا لهو الفوز العظيم ) أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه ، وقيل هو من قول الله عز وجل تقريرا لقولهم وتصديقا له . وقرئ لهو الرزق العظيم وهو ما رزقوه من السعادة : ت مت قصة المؤمن وقرينه ، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال ( أذلك ) الرزق ( خير نزلا ) أي خير حاصلا ( أم شجرة الزقوم ) وأصل النزل الفضل والريع في الطعام ، يقال طعام كثير النزل فاستعير للحاصل من لا شئ وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم ، وانتصاب نزلا على التمييز ، ولك أن تجعله حالا كما تقول أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا ؟ يعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم ، فأيهما خير في كونه نزلا . والنزل : ما يقام للزرق المعلوم نزلا ولشجرة الزقوم نزلا ، فأيهما خير نزلا ؟ ومعلوم أنه لاخير في شجرة الزقوم ، ولكن المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم واختار الكافرون ما أدى إلى شجرة الزقوم قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم ( فتنة للظالمين ) محنة وعذابا ، لهم في الآخرة أو ابتلاء لهم في الدنيا ، وذلك أنهم قالوا : كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر فكذبوا ، وقرئ نابتة ( في أصل الجحيم ) قيل منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها . والطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية ، وشبه برؤوس الشياطين دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر ، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير ، فيقولون في القبيح الصورة : كأنه رأس شيطان . وإذا صوره المصورون جاءوا بصورته على أقبح ما يقدر وأهوله . كما أنهم اعتقدوا في ذلك أنه خير محض لاشر فيه فشبهوا به الصورة الحسنة قال الله تعالى - ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم - وهذا تشبيه تخييلي . وقيل : الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة المنظر هائلة جدا . وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين ، وما سمت العرب هذا الثمر برؤوس الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين ولكنه بعد التسمية بذلك رجع أصلا ثالثا يشبه به ( منها من الشجرة : أي من طلعها ( فمالئون ) بطونهم لما يغلبهم من الجوع الشديد ، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها ليكون بابا من العذاب ، فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابا من غساق أو صديد . شوبه : أي مزاجه ( من حميم ) يشوى وجوههم ويقطع أمعاءهم كما قال في صفة شراب أهل الجنة - ومزاجه من تسنيم - وقرئ لشوبا بالضم وهو اسم ما يشاب به والأول تسمية بالمصدر . فإن قلت : ما معنى حرف التراخي في قوله - ثم .