وإن من شيعته لإبراهيم . إذ جاء ربه بقلب سليم . إذ قال لأبيه وقومه ماذا
تعبدون . أئفكا ألهة دون الله تريدون . فما ظنكم برب العالمين ؟ فنظر نظرة
في النجوم . فقال : إني سقيم . فتولوا عنه مدبرين . فراغ إلى آلهتهم فقال
شرح
محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا ليريك جلالة محل الإيمان وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم ويرغبك في تحصيله
والازدياد منه ( من شيعته ) ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما ، أو شايعه على التصلب في دين
الله ومصابرة المكذبين ، ويجوز أن يكون بين شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما
من أهل دينه وعلى سنته ، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هو دو صالح ، وكان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة
وأربعون سنة . فإن قلت : بم تعلق الظرف ؟ قلت : بما في الشيعة من معنى المشايعة : يعنى وإن ممن شايعه على دينه
وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم ، أو بمحذوف وهو أذكر ( بقلب سليم ) من جميع آفات القلوب ، وقيل
من الشرك ، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق فليس بعض الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها . فإن قلت :
ما معنى المحبئ بقلبه ربه ؟ قلت : معناه أنه أخلص لله قلبه وعرف ذلك منه فضرب المجئ مثلا لذلك ( أئفكا )
مفعول له تقديره ، أتريدون آلهة من دون الله إفكا ، وإنما قدم المفعول على الفعل للعناية وقدم المفعول له على
المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم ، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا :
يعنى أتريدون به إفكا ، ثم فسر الإفك بقوله آلهة من دون الله على أنها إفك في أنفسها . ويجوز أن يكون حالا
بمعنى أتريدون آلهة من دون الله آفكين ( فما ظنكم ) بمن هو الحقيق بالعبادة لأن من أن ربا للعالمين استحق عليهم
أن يعبدوه حتى تركتم عبادته إلى الأصنام ، والمعنى : أنه لا يقدر في وهم وظن ما يصد عن عبادته ،
أو فما ظنكم به أي شئ هو من الأشياء حتى جعلتم الأصنام له أندادا أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم
وقد عبدتم غيره ( في النجوم ) في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها . وعن بعض الملوك أنه سئل عن مشتهاه
فقال : حبيب أنظر إليه ، ومحتاج أنظر له ، وكتاب أنظر فيه . كان لاقوم نجامين فأوهمهم أنه استدل بأمارة في
علم النجوم على أنه يسقم ( فقال إني سقيم ) إني مشارف للسقم وهو الطاعون ، وكان أغلب الأسقام عليهم وكانوا
يخافون العدوي ليتفرقوا عنه ، فهربوا منه إلى عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد ، ففعل بالأصنام
ما فعل . فإن قلت : كيف جاز له أن يكذب ؟ قلت : قد جوزه بعض الناس في المكيدة في الحرب والتقية وإرضاء
الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين ، والصحيح أن الكذب حرام إلا إذا عرض وورى ، والذي قاله
إبراهيم عليه السلام معراض منا لكلام ، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم ، ومنه المثل : كفى بالسلامة
داء ، وقول لبيد :
فدعوت ربى بالسلامة جاهدا ليصحى فإذا السلامة داء
وقد مات رجل فجاة فالتف عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح فقال أعرابي : أصحيح من الموت في عنقه ؟
وقيل أراد إني سقيم النفس لكفركم ( فراغ إلى آلهتهم ) فذهب إليها في خفية من روغة الثعلب ، إلى آلهتهم إلى