ألا تأكلون . مالكم لا تنطقون . فراغ عليهم ضربا باليمين . فأقبلوا إليه يزفون .
قال أتعبدون ما تنحتون . والله خلقكم وما تعملون .
شرح
( أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة كقوله تعالى - أين شركائي - ( ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون ) استهزاء بها وبانحطاطها
عن حال عبدتها ( فراغ عليهم ) فأقبل عليهم مستخفيا كأنه قال فضربهم ( ضربا ) لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم ،
أو فراغ عليهم يضربهم ضربا ، أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا . وقرئ صفقا وسفقا ومعناهما الضرب ، ومعنى
ضربا ( باليمين ) ضربا شديدا قويا لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما ، وقيل بالقوة والمتانة ، وقيل بسبب الحلف
وهو قوله - تالله لأكيدن أصنامكم - ( يزفون ) يسرعون من زفيف النعام ، ويزفون من أزف إذا دخل في الزفيف ،
أو من أزفه إذا حمله على الزفيف : أي يزف بعضهم بعضا ، ويزفون على البناء للمفعول : أي يحملون على الزفيف ،
ويرفون من وزف يزف إذا أسرع ، ويزفون من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه . فإن قلت :
بين هذا وبين قوله تعالى - قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم -
كالتناقض حيث ذكر ههنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوي ، فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه
ويوقعوا به ، وذكر ثم أنهم سألوا عن الكاسر حتى قيل لهم سمعنا إبراهيم يذمهم فلعله هو الكاسر ، ففي أحدهما أنهم
شاهدوه يكسرها ، وفي الآخر أنهم استدلوا بذمه على أنه الكاسر . قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يكون الذين
أبصروه وزفوا إليه نفرا منهم دون جمهورهم وكبرائهم ، فلما رجع الجمهور والعلية من عيدهم إلى بيت الأصنام
ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة اشمأزوا من ذلك وسألوا من فعل هذا بها ؟ ثم
لم ينم عليه أولئك النفر نميمة صريحة على سبيل التورية والتعريض بقولهم سمعنا فتى يذكرهم لبعض الصوارف .
والثاني أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد ، ويكون إقبالهم إليه يزفون بعد رجوعهم عن عيدهم وسؤالهم عن
الكاسر وقولهم - قالوا فأتوا به على أعين الناس - ( والله خلقكم وما تعملون ) يعنى خلقكم وخلق ما تعملونه من
الأصنام كقوله - بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن - أي فطر الأصنام . فإن قلت : كيف يكون
الشئ الواحد مخلوقا لله معمولا لهم حيث أوقع خلقه وعملهم عليها جميعا ؟ قلت : هذا كما يقال عمل النجار الباب