حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون .
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن
كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا
وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون . أفأمنوا مكر الله
شرح
والسيئات - ( حتى عفوا ) كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات وعفا الشحم والوبر : إذا كثرت ،
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " وأعفوا اللحى " وقال الحطيئة : * بمستأسد القربان عاف نباته *
وقال : ولكما نعض السيف منها * بأسوق عافيات الشحم كوم
( قالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا : هذه عادة الدهر يعاقب في
الناس بين الضراء والسراء ، وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بابتلاء من الله لعباده ، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات
والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب ( فأخذناهم ) أشد الأخذ وأفظعه وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم . اللام
في القرى إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله - وما أرسلنا في قرية من نبي - كأنه قال : ولو أن أهل تلك القرى
الذين كذبوا وأهلكوا ( آمنوا ) بدل كفرهم ( واتقوا ) المعاصي مكان ارتكابها ( لفتحنا عليهم بركات من السماء
والأرض ) لآتيناهم بالخير من كل وجه ، وقيل أراد المطر والنبات ( ولكن كذبوا فأخذناهم ) بسوء كسبهم
ويجوز أن تكون اللام القرى للجنس . فإن قلت : ما معنى فتح البركات عليهم . قلت : تيسيرها عليهم كما ييسر
أمر الأبواب المستغلقة بفتحها ، ومنه قولهم : فتحت على القارئ إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين .
البيات يكون بمعنى البيتوتة ، يقال بات بياتا ومنه قوله تعالى - فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون - وقد يكون بمعنى
التبييت كالسلام بمعنى التسليم ، يقال بيته العدو بياتا ، فيجوز أن يراد أن يأتيهم بأسنا بائتين أو وقت بيات أو مبيتا
أو مبيتين أو يكون بمعنى تبييتا كأنه قيل : أن يبيتهم بأسنا بياتا ، و ( ضحى ) نصب على الظرف ، يقال أتانا
ضحى وضحيا وضحاء ، والضحى في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . والفاء والواو في أفأمن
وأوأمن حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار . فإن قلت : ما المعطوف عليه ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية
بالواو ؟ قلت : المعطوف عليه قوله - فأخذناهم بغتة - وقوله - ولو أن أهل القرى ، إلى : يكسبون - وقع اعتراضا
بين المعطوف والمعطوف عليه ، وإنما عطف بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة ، أبعد ذلك أمن أهل
القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى . وقرئ أو أمن على العطف بأو ( وهم يلعبون ) يشتغلون
بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون . فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله ( أفأمنوا مكر الله ) ؟ قلت : هو تكرير
لقوله - أفأمن أهل القرى - ومكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون
في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت
له : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ فقال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات ، أراد قوله - أن يأتيهم بأسنا
بياتا - إذا قرئ أو لم يهد بالياء كان أن لو نشاء مرفوعا بأنه فاعله بمعنى : أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم