تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون . ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون . أفأمنوا مكر الله
شرح
والسيئات - ( حتى عفوا ) كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات وعفا الشحم والوبر : إذا كثرت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " وأعفوا اللحى " وقال الحطيئة : * بمستأسد القربان عاف نباته * وقال : ولكما نعض السيف منها * بأسوق عافيات الشحم كوم ( قالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ) يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا : هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ، وقد مس آباءنا نحو ذلك وما هو بابتلاء من الله لعباده ، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب ( فأخذناهم ) أشد الأخذ وأفظعه وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم . اللام في القرى إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله - وما أرسلنا في قرية من نبي - كأنه قال : ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا ( آمنوا ) بدل كفرهم ( واتقوا ) المعاصي مكان ارتكابها ( لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) لآتيناهم بالخير من كل وجه ، وقيل أراد المطر والنبات ( ولكن كذبوا فأخذناهم ) بسوء كسبهم ويجوز أن تكون اللام القرى للجنس . فإن قلت : ما معنى فتح البركات عليهم . قلت : تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة بفتحها ، ومنه قولهم : فتحت على القارئ إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين . البيات يكون بمعنى البيتوتة ، يقال بات بياتا ومنه قوله تعالى - فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون - وقد يكون بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم ، يقال بيته العدو بياتا ، فيجوز أن يراد أن يأتيهم بأسنا بائتين أو وقت بيات أو مبيتا أو مبيتين أو يكون بمعنى تبييتا كأنه قيل : أن يبيتهم بأسنا بياتا ، و ( ضحى ) نصب على الظرف ، يقال أتانا ضحى وضحيا وضحاء ، والضحى في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . والفاء والواو في أفأمن وأوأمن حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار . فإن قلت : ما المعطوف عليه ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو ؟ قلت : المعطوف عليه قوله - فأخذناهم بغتة - وقوله - ولو أن أهل القرى ، إلى : يكسبون - وقع اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه ، وإنما عطف بالفاء لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة ، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى . وقرئ أو أمن على العطف بأو ( وهم يلعبون ) يشتغلون بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون . فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله ( أفأمنوا مكر الله ) ؟ قلت : هو تكرير لقوله - أفأمن أهل القرى - ومكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ فقال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات ، أراد قوله - أن يأتيهم بأسنا بياتا - إذا قرئ أو لم يهد بالياء كان أن لو نشاء مرفوعا بأنه فاعله بمعنى : أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 98 | الزمخشري