وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون .
فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا
فيها ، الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين . فتولى عنهم وقال يا قوم لقد
أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسي على قوم كافرين ؟ وما
أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون وثم
بدلنا مكان السيئة الحسنة
شرح
كقوله - وهو خير الحاكمين . فإن قلت : كيف أسلوب قوله قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ؟
قلت : هو إخبار مقيد بالشرط . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجب كأنهم قالوا :
ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الاسلام ، لأن المترد أبلغ في الافتراء من الكافر ، لأن الكافر مفتر على الله
الكذب حيث يزعم أن لله ندا ولا ند له ، والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه حيث يزعم أنه تبين له ما خفي عليه
من التمييز بين الحق والباطل . والثاني أن يكون قسما على تقدير حذف اللام بمعنى : والله لقد افترينا على الله كذبا
( وقال الملأ الذين كفروا من قومه ) أي أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان ( لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا
لخاسرون ) لاستبدالكم الضلالة بالهدى كقوله تعالى - أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم -
وقيل تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية . فإن قلت :
ما جواب القسم الذي وطأته اللام في : لئن اتبعتم شعيبا وجواب الشرط . قلت : قوله - إنكم إذا لخاسرون - ساد
مسد الجوابين ( الذين كذبوا شعيبا ) مبتدأ خبره ( كان لم يغنوا فيها ) وكذلك ( كانوا هم الخاسرين ) وفي هذا
الابتداء معنى الإختصاص كأنه قيل : الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا كأن لم يقيموا
في دارهم ، لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله ، الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه
فإنهم الرابحون ، وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لرأيهم
واستهزاء بنصحهم لقومهم لما جرى عليهم . الأسى : شدة الحزن ، قال العجاج * وانحلبت عيناه من فرط الأسى *
اشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال : فكيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم
واستحقاقهم ما نزل بهم ، ويجوز أن يريد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم
تسمعوا قولي ولم تصدقوني فكيف آسى عليكم ؟ يعني أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى . وقرأ يحيى بن
وثاب فكيف إيسى بكسر الهمزة ( إلا أخذنا أهلها بالبأساء ) بالبؤس والفقر ( والضراء بالضر والمرض لاستكبارهم
عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه ( لعلهم يضرعون ) ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة ( ثم بدلنا مكان
السيئة الحسنة ) أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة الرخاء والصحة والسعة كقوله - وبلوناهم بالحسنات