أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين .
ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا
واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين . وإن كان
شرح
ما يكال به بالكيل كما قيل العيش لما يعاش به ، أو أريد : فأوفوا الكيل ووزن الميزان ، ويجوز أن يكون الميزان
كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر . ويقال بخسته حقه : إذ نقصته إياه ، ومنه قيل للمكس البخس ، وفي أمثالهم :
تحسبها حمقاء وهي باخس ، وقيل ( أشياءهم ) لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شئ في مبايعاتهم ، أو كانوا
مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه كما يفعل أمراء الحرمين . وروى أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا
دراهمه الجياد وقالوا هي زيوف ، فقطعوها قطاعا ثم أخذوها بنقصان ظاهر ، أو أعطوه بدلها زيوفا ( بعد
إصلاحها ) بعد الإصلاح فيها : أي لا تفسدوا فيها بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين
بشرائعهم ، وإضافته كإضافة قوله - بل مكر الليل والنهار - بمعنى بل مكركم في الليل والنهار أو بعد إصلاح أهلها
على المضاف ( ذلكم ) إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض ،
أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ، ومعنى ( خير لكم ) يعني في الانسانية وحسن الأحدوثة وما تطلبونه من
التكسب والتربح لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والسوية ( إن كنتم مؤمنين ) إن كنتم
مصدقين لي في قولي ذلكم خير لكم ( ولا تقعدوا بكل صراط ) ولا تقتدوا بالشيطان في قوله - لأقعدن لهم صراطك
المستقيم - فتقعدوا بكل صراط : أي بكل منهاج من مناهج الدين . والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله
( وتصدون عن سبيل الله ) ومحل توعدون وما عطف عليه النصب على الحال : أي ولا تقعدوا موعدين وصادين
عن سبيل الله وباغيها عوجا . فإن قلت : صراط الحق واحد - وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل
فتفرق بكم عن سبيله - فكيف قيل بكل صراط ؟ قلت : صراط الحق واحد ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود
وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شئ منها أوعدوه وصدوه . فإن قلت : إلام يرجع
الضمير في ( آمن به ) ؟ قلت : إلى صراط تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه ، فوضع الظاهر الذي
هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم ودلالة على عظم ما يصدون عنه . وقيل كانوا يجلسون على
الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم : إن شعيبا كذاب ، فلا يفتننكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة .
وقيل كانوا يقطعون الطرق . وقيل كانوا عشارين ( وتبغونها عوجا ) وتطلبون لسبيل الله عوجا ، أي تصفونها
للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها ، أو يكون تهكما بهم وأنهم يطلبون لها
ما هو محال لأن طريق الحق لا يعرج ( واذكروا إذ كنتم قليلا ) إذ مفعول به غير ظرف : أي واذكروا على جهة
الشكر وقت كونكم قليلا عددكم ( فكثركم ) الله ووفر عددكم . قيل إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط فولدت ،
فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا ، ويجوز إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم فجعلكم مكثرين موسرين ،
أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم بكثرة العدد والعدد ( عاقبة المفسدين ) آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم كقوم نوح وهود