كهيعص . ذكر رحمت ربك عبده زكرياء . إذ نادى ربه نداء خفيا . قال
رب إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكل بدعائك رب شقيا . وإني
خفت الموالى من وراءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا . يرثني ويرث من
شرح
( كهيعص ) قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة وبكسر هما عاصم وبضمهما الحسن . وقرأ الحسن : ذكر رحمة ربك :
أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك . وقرئ ذكر على الأمر . راعى سنة الله في إخفاء دعوته لأن الجهر
والإخفاء عند الله سيان ، فكان الإخفاء أولى لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص . وعن الحسن : نداء
لا رياء فيه ، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة ، أو أسره من مواليه الذين خافهم ، أو
خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات وسمعه تارات . واختلف في سن زكريا عليه
السلام فقيل ستون وخمس وستون وسبعون وخمس وسبعون وخمس وثمانون . قرئ وهن بالحركات الثلاث ،
وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته ، ولأنه أشد ما فيه
وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أوهن ، ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية وقصده إلى أن هذه
الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد وما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى
آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها . إدغام السين في الشين عن أبي عمرو ، شبه الشيب بشواظ النار
في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة ،
ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا ، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب
أنه رأس زكريا ، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة . توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة .
وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال : أنا الذي أحسنت إلى وقت كذا ، فقال : مرحبا بمن توسل بنا إلينا وقضى
حاجته . كان مواليه وهم عصبته إخوته وبنو عمه شرار بني إسرائيل فخفاهم على الدين أن يغيروه ويبدلوه وأن
لا يحسنوا الخلافة على أمته ، فطلب عقبا من صلبه صالحا يقتدى به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه ( من وراءى
بعد موتى . وقرأ ابن كثير من ورأى بالقصر ، وهذا الظرف لا يتعلق بخفت لفساد المعنى ولكن بمحذوف ، أو
بمعنى الولاية في الموالى : أي خفت فعل الموالى وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي ، أو خفت الذين يلون
الأمر من ورائي . وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم خفت الموالى من ورائي ، وهذا على
معنيين : أحدهما أن يكون ورائي بمعنى خلفي وبعدي فيتعلق الظرف بالموالي : أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر
الدين فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه . والثاني أن يكون بمعنى قد أمي فيتعلق بخفت ويريد أنهم خفوا
قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به تقو واعتضاد ( من لدنك ) تأكيد لكونه وليا مرضيا بكونه مضافا إلى الله تعالى
وصادرا من عنده ، وإلا فهب لي وليا يرثني كاف ، أو أراد اختراعا منك بلا سبب لأنى وامرأتي لا نصلح للولادة
( يرثني ويرث ) الجزم جواب الدعاء والرفع صفة ونحوه - رداء يصدقني - وعن ابن عباس والجحدرى يرثني