أن تجعل بيننا وبينهم سدا . قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم
وبينهم ردما . آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى
إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا . فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا
له نقبا . قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكا وكان وعد ربى حقا .
وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا .
شرح
وقيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه ، وكانوا يلقون منهم قتلا
وأذى شديدا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم " لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه
كلهم قد حمل السلاح " وقيل هم على صنفين : طوال مفرطوا الطول وقصار مفرطوا القصر . قرئ
خرجا وخراجا : أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال . وقرئ سدا وسدا بالفتح والضم ( ما مكنى
فيه ربى خير ) ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار خير مما تبذلون لي من الخراج فلا حاجة بي إليه ، كما قال
سليمان صلوات الله عليه - فما آتاني الله خير مما آتاكم - قرئ بالإدغام وبفكه ( فأعينوني بقوة ) بفعلة وصناع
يحسنون البناء والعمل وبالآلات ( ردما ) حاجزا حصينا موثقا ، والردم أكبر من السد ، من قولهم ثوب مردم رقاع
فوق رقاع . قيل حفر الأساس حتى بلغ الماء ، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب ، والبنيان من زبر
الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار صب
النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا . وقيل بعدما بين السدين مائة فرسخ .
وقرئ سوى وسووى . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن رجلا أخبره به فقال : كيف رأيته ؟ قال :
كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء ، قال : قد رأيته " . والصدفان بفتحتين : جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان :
أي يتقابلان . وقرئ الصدفين بضمتين والصدفين بضمة وسكون والصدفين بفتحة وضمة . والقطر : النحاس
المذاب لأنه يقطر ، و ( قطرا ) منصوب بأفرغ ، وتقديره : آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا ، فحذف الأول لدلالة
الثاني عليه . وقرئ قال ائتوني : أي جيئوني ( فما استطاعوا ) بحذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء ،
وقرئ فما اصطاعوا بقلب السين صادا ، وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء فملاق بين ساكنين على غير الحد ( أن
يظهروه ) أن يعلوه : أي لاحية لهم فيه من صعود لارتفاعه وانملاسه ولا نقب لصلابته وثخانته ( هذا ) إشارة إلى
السد : أي هذا السد نعمة من الله و ( رحمة ) على عباده ، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته ( فإذا جاء وعد
ربى ) يعنى فإذا دنا مجئ يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد ( دكا ) أي مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض ،
وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك ، ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام . وقرئ دكاء بالمد أي أرضا مستوية
( وكان وعد ربى حقا ) آخر حكاية قول ذي القرنين ( وتركنا ) وجعلنا ( بعضهم ) بعض الخلق ( يموج في بعض )
أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ، ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين
يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد . وروى يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ، ثم يأكلون