دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . قالت إني أعوذ بالرحمن
منك إن كنت تقيا . قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا . قالت أنى
يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا . قال كذلك قال ربك هو على هين
ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا .
شرح
الأحيان مشتملة على ما فيها ، وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيه .
والانتباذ : الاعتزال والانفراد ، تخلت للعبادة في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس أو من دارها معتزلة عن الناس .
وقيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشئ يسترها وكان موضعها المسجد ، فإذا حاضت
نحولت إلى بيت خالتها ، فإذا طهرت عادت إلى المسجد . فبينا هي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب
أمرد وضئ الوجه جعد الشعر سوى الخلق لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا ، أو حسن الصورة مستوى الخلق ،
وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على
استماع كلامه . ودل على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة فالفائقة الحسن ، وكان تمثيله
على تلك الصفة ابتلاء لها وسبرا لعفتها . وقيل كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه ،
وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها الباب فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلى رأسها ، فانفجر السقف لها فخرجت
فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك . وقيل قام بين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت
المقدس . وقيل إن النصارى اتخذت المشرق قبلة لانتباذ مريم مكانا شرقيا . الروح جبريل لأن الدين يحيا به ويوحيه
أو سماه الله روحه على المجاز محبة له وتقريبا كما تقول لحبيبك أنت روحي . وقرأ أبو حياة روحنا بالفتح لأنه سبب
لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المقربين في قوله - فأما إن كان من المقربين فروح وريحان -
أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح : أي مقربنا وذا روحنا . أرادت إن كان يرجى منك أن تتقى الله
وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به فإني عائذة به منك كقوله تعالى - بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين - أي إنما أنا
رسول من استعذت به ( لأهب لك ) لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع ، وفى بعض المصاحف - إنما أنا
رسول ربك - أمرني أن أهب لك ، أو هي حكاية لقول الله تعالى . جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه
كناية عنه كقوله تعالى - من قبل أن تمسوهن أو لمستم النساء - والزنى ليس كذلك ، إنما يقال فيه فجربها وخبث بها
وما أشبه ذلك وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب . والبغي : الفاجرة التي تبغى الرجال ، وهى فعول
عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء . وقال ابن جنى في كتاب التمام : هي فعيل ولو كانت فعولا لقيل بغو كما
قيل فلان نهوا عن المنكر ( ولنجعله أية ) تعليل معللة محذوف : أي ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك : أو هو معطوف
على تعليل مضمر : أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية ونحوه - وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل
نفس بما كسبت - وقوله - وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه - ( مقتضيا ) مقدرا مسطورا في اللوح لابد
لك من جريه عليك ، أو كان أمرا حقيقا بأن يكون ويقضى لكونه آية ورحمة ، والمراد بالآية العبرة والبرهان على
قدرة الله ، وبالرحمة الشرائع والألطاف ، وما كان سببا في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح فهو