وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها
تدميرا .
شرح
إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل ( وإذا أردنا ) وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم إلا قليل
أمرناهم ( ففسقوا ) أي أمرناهم بالفسق ففعلوا ، والأمر مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا وهذا
لا يكون ، فبقي أن يكون مجازا ، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع
الشهوات ، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبيب إيلاء النعمة فيه ، وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا
من الإحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية
فآثروا الفسوق ، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم . فإن قلت : هلا زعمت أن معناه
أمرناهم بالطاعة ففسقوا ؟ قلت : لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز ، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه ،
وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه وهو كلام مستفيض ، يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم
منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة ، ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب ، ولا يلزم على هذا
قولهم أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري ، لأن ذلك مناف للأمر مناقض له ، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به ،
فكان محالا أن يقصد أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به ، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه ولا
منوي لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأمورا به ، وكأنه يقول : كان مني أمر فلم تكن منه طاعة
كما أن من يقول فلان يعطي ويمنع ويأمر وينهى غير قاصد إلى مفعول . فإن قلت : هلا كان ثبوت العلم بأن الله
لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا ؟ قلت : لا يصح ذلك لأن قوله
- ففسقوا - يدافعه ، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي إضمار خلافه ، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه ،
ونظير أمر شاء في أن مفعوله استفاض فيه الحذف لدلالة ما بعده عليه ، تقول : لو شاء لأحسن إليك ولو شاء
لأساء إليك ، تريد : لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة ، فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت وقلت قد دلت
حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة ، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه
حال صاحب المشيئة لم تكن على سداد وقد فسر بعضهم أمرنا بكثرنا وجعل أمرته فأمر من باب فعلته ففعل كثبرته فثبر ،
وفي الحديث " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " أي كثيرة النتاج . وروي " أن رجلا من المشركين قال لرسول
الله صلى الله عليه وسلم : إي أرى أمرك هذا حقيرا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إنه سيأمر " أي يسكثر وسيكبر .
وقرئ آمرنا من أمر وأمره غيره وأمرنا بمعنى أمرنا أو من أمر إمارة ، وأمره الله : أي جعلناهم أمراء وسلطانهم