بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا .
ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا . إن
أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم
وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا . عسى ربكم أن
يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا . إن هذا القرآن يهدي للتي
هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا .
شرح
( وكان وعدا مفعولا ) يعني وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل ( ثم رددنا لكم الكرة ) أي الدولة والغلبة على
الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو . قيل هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم
ورجوع الملك إليهم ، وقيل هي قتل داود جالوت ( أكثر نفيرا ) مما كنتم ، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه ،
وقيل جمع نفر كالعبيد والمعين : أي الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم .
وعن علي رضي الله عنه : ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها ( فإذا وعد ) المرة ( الآخرة ) بعثناهم
( ليسوءوا وجوهكم ) حذف لدلالة ذكره أولا عليه ، ومعنى ليسوءوا وجوهكم : ليجعلوها بادية آثار المساءة
والكآبة فيها كقوله - سيئت وجوه الذين كفروا - وقرئ ليسوءوا والضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ولنسوء
بالنون . وفي قراءة علي لنسوأن وليسوأن . وقرئ لنسوأن بالنون الخفيفة . واللام في ( ليدخلوا ) على هذا متعلق
بمحذوف وهو بعثناهم ليدخلوا ، ولنسوأن جواب إذا جاء ( ما علوا ) مفعول ليتبروا : أي ليهلكوا كل شئ
غلبوه واستولوا عليه ، أو بمعنى مدة علوهم ( عسى ربكم أن يرحمكم ) بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم
عن المعاصي ( وإن عدتم ) مرة ثالثة ( عدنا ) إلى عقوبتكم وقد أعادوا فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة
وضرب الإتاوة عليهم . وعن الحسن : عادوا فبعث الله محمدا فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . وعن
قتادة : ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة ( حصيرا )
محبسا يقال للسجن محصر وحصير ، وعن الحسن بساطا كما يبسط الحصير المرمول ( للتي هي أقوم ) للحالة التي هي
أقوم الحالات وأسدها أو للملة أو للطريقة ، وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف
لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه . وقرئ ويبشر بالتخفيف . فإن قلت : كيف ذكر المؤمنين
الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ قلت : كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي وإما مشرك ، وإنما حدث أصحاب