تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا . ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا . إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا . عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا . إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا .
شرح
( وكان وعدا مفعولا ) يعني وكان وعد العقاب وعدا لا بد أن يفعل ( ثم رددنا لكم الكرة ) أي الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو . قيل هي قتل بختنصر واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم ، وقيل هي قتل داود جالوت ( أكثر نفيرا ) مما كنتم ، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه ، وقيل جمع نفر كالعبيد والمعين : أي الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم . وعن علي رضي الله عنه : ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها ( فإذا وعد ) المرة ( الآخرة ) بعثناهم ( ليسوءوا وجوهكم ) حذف لدلالة ذكره أولا عليه ، ومعنى ليسوءوا وجوهكم : ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها كقوله - سيئت وجوه الذين كفروا - وقرئ ليسوءوا والضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ولنسوء بالنون . وفي قراءة علي لنسوأن وليسوأن . وقرئ لنسوأن بالنون الخفيفة . واللام في ( ليدخلوا ) على هذا متعلق بمحذوف وهو بعثناهم ليدخلوا ، ولنسوأن جواب إذا جاء ( ما علوا ) مفعول ليتبروا : أي ليهلكوا كل شئ غلبوه واستولوا عليه ، أو بمعنى مدة علوهم ( عسى ربكم أن يرحمكم ) بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى وانزجرتم عن المعاصي ( وإن عدتم ) مرة ثالثة ( عدنا ) إلى عقوبتكم وقد أعادوا فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب الإتاوة عليهم . وعن الحسن : عادوا فبعث الله محمدا فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . وعن قتادة : ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحي من العرب فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة ( حصيرا ) محبسا يقال للسجن محصر وحصير ، وعن الحسن بساطا كما يبسط الحصير المرمول ( للتي هي أقوم ) للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها أو للملة أو للطريقة ، وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده مع الحذف لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه . وقرئ ويبشر بالتخفيف . فإن قلت : كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر الفسقة ؟ قلت : كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي وإما مشرك ، وإنما حدث أصحاب