وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما . ويدع الإنسان بالشر دعاءه
بالخير وكان الإنسان عجولا . وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل
وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب
وكل شئ فصلنا تفصيلا . وكل إنسان ألزمناه طائره
شرح
المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك . فإن قلت : علام عطف ( وأن الذين لا يؤمنون ) . قلت : على أن لهم أجرا كبيرا
على معنى أنه بشر المؤمنين ببشارتين اثنتين بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ويجوز أن يراد : ويخبر بأن الذين لا يؤمنون
معذبون : أي ويدعو الله غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله كما يدعوه لهم بالخير كقوله - ولو يعجل الله للناس
الشر استعجالهم بالخير - ( وكان الإنسان عجولا ) يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه تأني
المتبصر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه دفع إلى سودء بنت زمعة أسيرا ، فأقبل يئن بالليل فقالت له : ما لك
تئن ؟ فشكا ألم القد ، فأرخت من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم
دعا به فأعلم بشأنه ، فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم اقطع يديها ، فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة وأن يقطع
الله يديها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة
لأني بشر أغضب كما يغضب البشر ، فلترد سودة يديها " ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر وأنه يدعو بالعذاب
استزاء ويستعجل به كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة ، وكان الإنسان عجولا : يعني أن العذاب آتية لا محالة فما
هذا الاستعجال ؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هو النضر بن الحرث قال - اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك - الآية ، فأجيب له فضربت عنقه صبرا . فيه وجهان : أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما
فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود : أي فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا
الآية التي هي النهار مبصرة . والثاني أن يراد : وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين ، يريد الشمس والقمر ، فمحونا آية
الليل : أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسة مظلما لا يستبان فيه شئ كما لا يستبان ما في اللوح الممحو وجعلنا
النهار مبصرا : أي تبصر فيه الأشياء وتستبان ، أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم تخلق لها شعاعا كشعاع
الشمس فترى به الأشياء رؤية بينة ، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شئ ( لتبتغوا فضلا من
ربكم ) لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم ( ولتعلموا ) باختلاف الجديدين ( عدد
السنين ) ( و ) جنس ( الحساب ) وما تحتاجون إليه منه ، ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات ولتعطلت
الأمور ( وكل شئ ) مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم ( فصلناه ) بيناه بيانا غير ملتبس فأرحنا عللكم وما تركنا
لكم حجة علينا ( طائره ) عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل . وعن ابن عيينة : هو من قولك طار له سهم
إذا خرج : يعني ألزمناه ما طار من عمله ، والمعنى : أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه ، ومنه مثل