قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما
ربياني صغيرا .
شرح
( قولا كريما ) جميلا كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة ، وقيل هو أن يقول : يا أبتاه يا أماه كما قال
إبراهيم لأبيه يا أبت مع كفره ، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب وعادة الدعار قالوا : ولا
بأس به في غير وجهه كما قالت عائشة رضي الله عنها : نحلني أبو بكر كذا . وقرئ جناح الذل ، والذل بالضم
والكسر . فإن قلت : ما معنى قوله ( جناح الذل ) ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يكون المعنى واخفض لهما
جناحك كما قال - واخفض جناحك للمؤمنين - فأضافه إلى الذل أو الذل كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى
واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول .
والثاني أن تجعل لذله أو لذله لهما جناحا خفيضا كما جعل لبيد للشمال يدا
وللقرة زماما ، مبالغة في التذلل والتواضع لهما ( من الرحمة ) من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما
اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس . ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها ، وادع الله بأن يرحمهما
رحمته الباقية ، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك . فإن قلت : الاسترحام لهما إنما يصح إذا
كانا مسلمين . قلت : وإذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان ، وأن يدعو الله لهما بالهداية والإرشاد
ومن الناس من قال : كان الدعاء للكفار جائزا ثم نسخ . وسئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت فقال : كل ذلك
واصل إليه ، ولا شئ أنفع له من الاستغفار ، ولو كان شئ أفضل منه لأمركم به في الأبوين . ولقد كرر الله
سبحانه في كتابه الوصية بالوالدين وعن النبي صلى الله عليه وسلم " رضا الله في رضا الوالدين ، وسخطه في سخطهما "
وروي " يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار ، يفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة " . وروى
سعيد بن المسيب " إن البار لا يموت ميتة سوء " . وقال رجل لرسول الله صلى عليه وسلم " إن أبوي بلغا من
الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما ؟ قال لا ، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك ،
وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما " . " وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله ، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ
على عصا ، فسأله فقال : إنه كان ضعيفا وأنا قوي ، وفقيرا وأنا غني ، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي ، واليوم أنا
ضعيف وهو قوي ، وأنا فقير وهو غني ، ويبخل علي بماله ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما من
حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى ، ثم قال للولد : أنت ومالك لأبيك ، أنت ومالك لأبيك " " وشكا إليه آخر
سوء خلق أمه فقال : لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة أشهر ؟ قال : إنها سيئة الخلق ، قال : لم تكن كذلك
حين أرضعتك حولين ؟ قال : إنها سيئة الخلق ، قال : لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها ؟
قال : لقد جازيتها ؟ قال : ما فعلت ، قال : حججت بها على عاتقي ؟ قال : ما جزيتها ولو طلقة " . وعن ابن عمر
أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ويقول :
إني لها مطية لا تذعر * إذا الركاب نفرت لا تنفر
ما حملت وأرضعتني أكثر * الله ربي ذو الجلال الأكبر تظنني جزيتها يا ابن عمر ؟
قال : لا ولو زفرة واحدة . وعنه عليه الصلاة والسلام " إياكم وعقوق الوالدين فإن
الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام ، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء ،