وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبير بصيرا . من
كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما
مدحورا . ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا .
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا . انظر كيف
شرح
( كم ) مفعول ( أهلكنا ) و ( القرون ) بيان لكم وتمييز له كما يميز العدد بالجنس يعني عادا وثمودا وقرونا بين
ذلك كثيرا ، ونبه بقوله ( وكفى بربك من ذنوب عباده خبيرا بصيرا ) على أن الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير وأنه عالم
بها ومعاقب عليها . من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء
لمن نريد ، فقيد الأمر تقييدين : أحدهما تقييد المعجل بمشيئته ، والثاني تقييد المعجل بإرادته ، وهكذا الحال ترى
كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه ، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه ،
فاجتمع عليه فقر الدنيا وفقر الآخرة . وأما المؤمن التقي فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة ، فما يبالي أوتي حظا من
الدنيا أو لم يؤت ، فإن أوتي فبها ، وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده وقوله ( لمن نريد ) بدل من له ،
وهو بدل البعض من الكل لأن الضمير يرجع إلى من وهو في معنى الكثرة . وقرئ يشاء ، وقيل الضمير لله تعالى
فلا فرق إذا بين القراءتين في المعنى ، ويجوز أن يكون للعبد على أن للعبد ما يشاء من الدنيا وأن ذلك لواحد من
الدهماء يريد به الله ذلك . وقيل هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمنافق والمرائي والمهاجر للدنيا والمجاهد للغنيمة
والذكر كما قال صلى الله عليه وسلم " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فجهرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته
لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته لي ما هاجر إليه " ( مدحورا ) مطرودا من رحمة الله ( سعيها ) حقها من
السعي وكفاءها من الأعمال الصالحة . اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكورا إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه
ويتجافى عن دار الغرور والسعي فيما كلف من الفعل والترك والإيمان الصحيح الثابت . وعن بعض المتقدمين :
من لم يكن معه ثلاث لم ينفعه عمله : إيمان ثابت ، ونية صادقة ، وعمل مصيب ، وتلا هذه الآية . وشكر الله :
الثواب على الطاعة ( كلا ) كل واحد من الفريقين والتنوين عوض من المضاف إليه ( نمد ) هم ، نزيدهم من
عطائنا ونجعل الآنف منه مدد السالف لا نقطعه فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل ( وما كان عطاء
ربك ) وفضله ( محظورا ) أي ممنوعا لا يمنعه من عاص لعصيانه ( انظر ) بعين الاعتبار ( كيف ) جعلناهم متفاوتين