فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا . لا تجعل مع الله
إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا . وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما
شرح
في التفضل . وفي الآخرة التفاوت أكبر لأنها ثواب وأعواض وتفضل وكلها متفاوتة . وروي أن قوما من الأشراف
فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه ، فخرج الإذن لبلال وصهيب فشق على أبي سفيان فقال سهيل بن
عمرو : إنما أتينا من قبلنا ، إنهم دعوا ودعينا : يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا ، وهذا باب عمر فكيف
التفاوت في الآخرة ؟ ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد لهم في الجنة أكثر . وقرئ وأكثر تفضيلا ، وعن
بعضهم : أيها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا ، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر وأفضل ؟
( فتقعد ) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة بمعنى صارت : يعني فتصير جامعا على نفسك الذم وما
يتبعه من الهلاك من إلهك والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له ( وقضى ربك ) وأمر أمرا مقطوعا به
( ألا تعبدوا ) أن مفسرة ولا تعبدوا نهي أن بأن لا تعبدوا ( وبالوالدين إحسانا ) وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، أو
بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا . وقرئ وأوصى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ووصى . وعن بعض ولد معاذ
ابن جبل وقضاء ربك . ولا يجوز أن يتعلق بالباء في بالوالدين بالإحسان لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته ( إما ) هي
إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيدا لها ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل ، ولو أفردت إن لم يصح دخولها ،
لا تقول : إن تكرمن زيدا يكرمك ، ولكن إما تكرمنه ، و ( أحدهما ) فاعل يبلغن ، وهو فيمن قرأ يبلغان بدل من
ألف الضمير الراجع إلى الوالدين ، و ( كلاهما ) عطف على أحدهما فاعلا وبدلا . فإن قلت : لو قيل إما يبلغان
كلاهما كان كلاهما توكيدا لا بدلا فما لك زعمت أنه بدل ؟ قلت : لأنه معطوف على ما لا يصح أن يكون توكيدا
للاثنين فانتظم في حكمه فوجب أن يكون مثله . فإن قلت : ما ضرك لو جعلته توكيدا مع كون المعطوف عليه بدلا
وعطفت التوكيد على البدل ؟ قلت : لو أريد توكيد التثنية لقيل كلاهما فحسب ، فلما قيل أحدهما أو كلاهما علم
أن التوكيد غير مراد فكان بدلا مثل الأول ( أف ) صوت يدل على تضجر . وقرئ أف بالحركات الثلاث منونا
وغير منون ، الكسر على أصل البناء ، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم والضم اتباع كمنذ . فإن قلت :
ما معنى عندك ؟ قلت : هو أن يكبرا ويعجزا وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره فهما عنده في بيته وكنفه ،
وذلك أشق عليه وأشد احتمالا وصبرا ، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة ، فهو مأمور بأن
يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب ، والاحتمال حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من
مؤنهما أف فضلا عما يزيد عليه ، ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما
بتوحيده ونظمهما في سلك القضاء بهما معا ، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من
المتضجر مع موجبات الضجر ومقتضياته ، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة ( ولا
تنهرهما ) ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك والنهي والنهر والنهم أخوات ( وقل لهما ) بدل التأفيف والنهر