ألا يتخذوا من دوني وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا وقضينا
إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا . فإذا جاء
وعد أولاهما
شرح
حسب ذلك ( ألا تتخذوا ) قرئ بالياء على لئلا يتخذوا وبالتاء على أي لا تتخذوا كقولك : كتبت إليه أن افعل
كذا ( وكيلا ) ربا تكلون إليه أموركم ( ذرية من حملنا ) نصب على الاختصاص ، وقيل على النداء فيمن قرأ
لا تتخذوا بالتاء على النهي يعني قلنا لهم : لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا ( مع نوح ) وقد يجعل وكيلا
ذرية من حملنا مفعولي تتخذوا : أي لا تجعلوهم أربابا كقوله - ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا -
ومن ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزير عليهم السلام . وقرئ ذرية من حملنا بالرفع بدلا من واو تتخذوا .
وقرأ زيد بن ثابت ذرية بكسر الذال ، وروي عنه أنه قد فسرها بولد الولد ذكرهم الله النعمة في إنجاء آبائهم من
الغرق ( إنه ) إن نوحا ( كان عبدا شكروا ) قيل كان إذا أكل قال : الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني ،
وإذا شرب قال : الحمد لله سقاني ولو شاء أظمأني ، وإذا اكتسى قال : الحمد لله الذي كساني ولو شاء
أعراني ، وإذا احتذى قال : الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني ، وإذا قضى حاجته قال : الحمد لله الذي
أخرج عني أذاه في عافية ولو شاء حبسه . وروي أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من آمن به فإن
وجده محتاجا آثره به . فإن قلت : قوله - إنه كان عبدا شكورا - ما وجه ملائمته لما قبله ؟ قلت : كأنه قيل :
لا تتخذوا من دوني وكيلا ولا تشركوا بي لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا وأنتم ذرية من آمن به وحمل
معه ، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم ، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم والثناء عليهم بأنهم أولاد
المحمولين مع نوح ، فهم متصلون به فاستأهلوا لذلك الاختصاص . ويجوز أن يقال ذلك عند ذكره على سبيل
الاستطراد ( وقضينا إلى بني إسرائيل ) وأوحينا إليهم وحيا مقتضيا : أي مقطوعا مبتوتا بأنهم يفسدون في الأرض
لا محالة ، ويعلون : أي يتعظمون ويبغون ( في الكتاب ) في التوراة ، و ( لتفسدن ) جواب قسم محذوف ، ويجوز
أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم ، فيكون لتفسدن جوابا له كأنه قال وأقسمنا وقرئ لتفسدن على البناء
للمفعول ولتفسدن بفتح التاء من فسد ( مرتين ) أولاهما قتل زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله والآخرة
قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى بن مريم ( عبادا لنا ) وقرئ عبيدا لنا وأكثر ما يقال عباد الله وعبيد الناس
سنحاريب وجنوده ، وقيل بختنصر . وعن ابن عباس : جالوت قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد
وسبوا منهم سبعين ألفا . فإن قلت : كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه ؟ قلت : معناه خلينا
بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة عليهم إلى نفسه فهو كقوله تعالى - وكذلك
نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون - وكقول الداعي وخالف بين كلمهم ، وأسند الجوس وهو التردد
خلال الديار بالفساد إليهم ، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم . وقرأ طلحة فحاسوا
بالحاء . وقرئ فجوسوا وخلل الديار . فإن قلت : ما معنى ( وعد أولاهما ) ؟ قلت : معناه وعد عقاب أولاهما