وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن بك هو أعلم بمن ضل
عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين . وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم
لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في
ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .
شرح
وابتلاهم بتحريم الصيد فيه ، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة ، فكانوا لا يصيدون فيه ، وأعقابهم لم يصبروا عن
الصيد فمسخهم الله دون أولئك ، وهو يحكم ( بينهم يوم القيامة ) فيجازي كل واحد من الفريقين بما يستوجبه .
ومعنى جعل السبت : فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه ، وقرئ إنما جعل السبت على البناء للفاعل . وقرأ
عبد الله إنا أنزلنا السبت ( إلى سبيل ربك ) إلى الإسلام ( بالحكمة ) بالمقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح
للحق المزيل للشبهة ( والموعظة الحسنة ) وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها ، ويجوز أن
يريد القرآن : أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) بالطريقة التي هي
أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف ( إن ربك هو أعلم ) بهم ، فمن كان فيه خير كفاه الوعظ
القليل والنصيحة اليسيرة ، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل ، وكأنك تضرب منه في حديد بارد . سمى الفعل الأول
باسم الثاني للمزاوجة ، والمعنى : إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه . وقرئ
وإن عقبتم فعقبوا : أي إن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم . روي " أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد ،
بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم ما تركوا أحدا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب ، فوقف رسول الله صلى الله
عليه وسلم على حمزة وقد مثل به ، وروي فرآه مبقور البطن فقال : أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن
بسبعين مكانك ، فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده " ولا خلاف في تحريم المثلة وقد وردت الأخبار بالنهي
عنها حتى بالكلب العقور . إما أن يرجع الضمير في ( لهو ) إلى صبرهم وهو مصدر صبرتم ويراد بالصابرين
المخاطبون : أي ولئن صبرتم لصبركم خير لكم ، فوضع الصابرون موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم
صابرون على الشدائد أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن المعاقبة ، وإما أن يرجع إلى جنس الصبر
وقد دل عليه صبرتم ويراد بالصابرين جنسهم كأنه قيل وللصبر خير للصابرين ، ونحوه قوله تعالى - فمن عفا
وأصلح فأجره على الله - وأن تعفو أقرب للتقوى - ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ( واصبر ) أنت فعزم عليه
بالصبر ( وما صبرك إلا بالله ) أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبك ( ولا تحزن عليهم ) أي على الكافرين كقوله
- فلا تأس على القوم الكافرين - أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون ( ولا تك في ضيق ) وقرئ ولا تكن في
ضيق : أي ولا يضيقن صدرك من مكرهم والضيق تخفيف الضيق : أي في أمر ضيق ، ويجوز أن يكون الضيق
والضيق مصدرين كالقيل والقول ( إن الله مع الذين اتقوا ) أي هو ولي الذين اجتنبوا المعاصي ( و ) ولي ( الذين
هم محسنون ) في أعمالهم ، وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين احتضر أوص ، فقال : إنما الوصية من المال ولا