إن الله على كل شئ قدير . والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا يعلمون شيئا وجعل
لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون . ألم يروا إلى الطير مسخرات في
جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون . والله جعل لكم
من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم
ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين . والله جعل
لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا
شرح
وأوحاه ( إن الله على كل شئ قدير ) فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق لأنه بعض المقدورات ثم دل
على قدرته بما بعده . قرئ أمهاتكم بضم الهمزة وكسرها والهاء مزيدة في أمات كما زيدت في أراق فقيل أهراق ،
وشذت زيادتها في الواحدة ، قال * أمهتي خنذف وإلياس أبي * ( لا تعلمون شيئا ) في موضع الحال ومعناه :
غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسواكم وصوركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة ، وقوله
( وجعل لكم ) معناه : وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلة لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل
به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم . والأفئدة في فؤاد كالأغربة في غراب ، وهو من
جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة والقلة إذ لم يرد في السماع غيرها ، كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير
فجرت ذلك المجرى . قرئ ألم يروا بالتاء والياء ( مسخرات ) مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب
المواتية لذلك . والجو : الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو ، والسكاك أبعد منه واللوح مثله ( ما يمسكهن )
في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ( إلا الله ) بقدرته ( من بيوتكم ) التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها ،
والسكن فعل بمعنى مفعول وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف ( بيوتا ) هي القباب والأبنية من الأدم
والأنطاع ( تستخفونها ) ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ( يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ) أي يوم
ترحلون خف عليكم حملها وثقلها ، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ، أو هي خفيفة عليكم
في أوقات السفر والحضر جميعا على أن اليوم بمعنى الوقت ( ومتاعا ) وشيئا ينتفع به ( إلى حين ) إلى أن تقضوا
منه أوطاركم ، أو إلى أن يبلى ويفنى ، أو إلى أن تموتوا . وقرئ - يوم ظعنكم - بالسكون ( مما خلق ) من الشجر
وسائر المستظلات ( أكنانا ) جمع كن وهو ما يستكن به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف