إن الله عليم قدير . والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي
رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ؟ . والله جعل لكم
من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات
أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ؟ . ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم
رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون .
شرح
مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في
الملبس والمطعم ، كما يحكى عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما
تلبسون وأطعموهم مما تطعمون " فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ( أفبنعمة
الله يجحدون ) فجعل ذلك من جملة جحود النعمة . وقيل هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء فقال لهم : أنتم
لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تجعلونهم فيه شركاء ولا ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم
أن تجعلوا عبيدي لي شركاء ؟ وقيل المعنى : أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا فهم في رزقي سواء فلا تحسبن
الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم . وقرئ
يجحدون بالتاء والياء ( من أنفسكم ) من جنسكم ، وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم . والحفدة جمع حافد وهو
الذي يحفد : أي يسرع في الطاعة والخدمة ، ومنه قول القانت : وإليك نسعى ونحفد ، وقال :
حفد الولائد بينهن وأسلمت * بأكفهن أزمة الأجمال
واختلف فيهم فقيل هم الأختان على البنات ، وقيل أولاد الأولاد ، وقيل أولاد المرأة من الزوج الأول ، وقيل
المعنى : وجعل لكم حفدة : أي خدما يحفدون في مصالحكم ويعينونكم ، ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم
كقوله - سكرا ورزقا حسنا - كأنه قيل : وجعل لكم منهن أولادا هم بنون وهم حافدون : أي جامعون بين
الأمرين ( من الطيبات ) يريد بعضها ، لأن كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها ( أفبالباطل
يؤمنون ) وهو ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها وما هو إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا
أمارة ، فليس لهم إيمان إلا به كأنه شئ معلوم مستيقن . ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها لذي عقل
وتمييز هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره العقول . وقيل الباطل ما يسول لهم الشيطان من
تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ، ونعمة الله : ما أحل لهم . الرزق يكون بمعنى المصدر وبمعنى ما يرزق ، فإن
أردت المصدر نصبت به ( شيئا ) كقوله أو إطعام يتيما على لا يملك أن يرزق شيئا ، وإن أردت المرزوق كان شيئا
بدلا منه بمعنى قليلا ، ويجوز أن يكون تأكيدا للا يملك : أي لا يملك شيئا من الملك . ومن السماوات والأرض
صلة للرزق إن كان مصدرا بمعنى لا يرزق من السماوات مطرا ولا من الأرض نباتا ، أو صفة إن كان اسما لما
يرزق . والضمير في ( ولا يستطيعون ) لما لأنه في معنى الآلهة بعد ما قيل لا يملك على اللفظ ، ويجوز أن يكون