تتخذون منه سكر ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون . وأوحى ربك إلى
النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الجشر ومما يعرشون .
شرح
تقديره : ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب : أي من عصيرها ، وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه ، وقوله
( تتخذون منه سكرا ) بيان وكشف عن كنه الإسقاء أو يتعلق بتتخذون ، ومنه من تكرير الظرف للتوكيد كقولك :
زيد في الدار فيها ، ويجوز أن يكون تتخذون صفة موصوف محذوف كقوله : بكفى كان من أرمى البشر . تقديره : ومن
ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر .
فإن قلت : فإلام يرجع الضمير في منه إذا جعلته ظرفا مكررا ؟ قلت : إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير كما
رجع في قوله تعالى - أو هم قائلون - إلى الأهل المحذوف . والسكر : الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا
نحو رشد رشدا ورشدا ، قال :
وجاءونا بهم سكر علينا * فأجلى اليوم والسكران صاحي
وفيه وجهان : أحدهما أن تكون منسوخة وممن قال بنسخها الشعبي والنخعي ، والثاني أن يجمع بين العتاب والمنة
وقيل السكر النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ثم يترك حتى يشتد ، وهو حلال
عند أبي حنيفة إلى حد السكر ، ويحتج بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم " الخمر حرام لعينها ، والسكر من
كل شراب " وبأخبار جمة ، ولقد صنف شيخنا أبو علي الجبائي قدس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ ، فلما
شيخ وأخذت منه السن العالية قيل له : لو شربت منه ما تتقوى به ، فأبى فقيل له : فقد صنفت في تحليله ، فقال :
تناولته الدعارة فسمج في المروءة . وقيل السكر : الطعم ، وأنشد * جعلت أعراض الكرام سكرا * أي تنفلت
بإعراضهم ، وقيل هو من الخمر وأنه إذا ابترك في أعراض الناس فكأنه تخمر بها . والرزق الحسن : الخل والرب
والتمر والزبيب وغير ذلك ، ويجوز أن يجعل السكر رزقا حسنا كأنه قيل : تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن .
الإيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه ، وإلا
فنيقتها في صنعتها ولطفها في تدبير أمرها وإصابتها فيما يصلحها دلائل بينة شاهدة على أن الله أودعها علما بذلك
وفطنها كما أولى أولي العقول عقولهم . وقرأ يحيى بن وثاب إلى النحل بفتحتين وهو مذكر كالنخل وتأنيثه على
المعنى ( أن اتخذي ) هي أن المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول . قرئ بيوتا بكسر الباء لأجل الياء ويعرشون بكسر
الراء وضمها : يرفعون من سقوف البيوت ، وقيل ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من الأماكن التي
تتعسل فيها والضمير في يعرشون للناس . فإن قلت : ما معنى من في قوله : ( أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر
ومما يعرشون ) وهلا قيل في الجبال وفي الشجر ؟ قلت : أريد معنى البعضية ، وأن لا تبنى بيوتها في كل جبل وكل