وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم
يؤمنون . والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية
لقوم يسمعون . وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث
ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين . ومن ثمرات النخيل والأعناب
شرح
للناصر لهم على أبلغ الوجوه ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش ، وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو
ولي هؤلاء لأنهم منهم ، ويجوز أن يكون على حذف المضاف : أي فهو ولي أمثالهم اليوم ( وهدى ورحمة ) معطوفان
على محل لتبين إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب . ودخل اللام على لتبين لأنه
فعل المخاطب لا فعل المنزل ، وإنما ينتصب مفعولا له ما كان فاعل الفعل المعل . والذي اختلفوا فيه البعث لأنه
كان فيهم من يؤمن به ومنهم عبد المطلب ، وأشياء من التحريم والتحليل والإنكار والإقرار ( لقوم يسمعون )
سماع إنصاف وتدبر ، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لا يسمع . ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في
الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم ثوب أكياش ، ولذلك رجع الضمير إليه مفردا ، وأما في بطونها في
سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع ، ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان : أحدهما أن يكون تكسير نعم كأجبال
في جبل ، وأن يكون اسما مفردا مقتضيا لمعنى الجمع كنعم ، فإذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله :
في كل عام نعم تحوونه * يلقحه قوم وتنتجونه
وإذا أنث ففيه وجهان : أنه تكسير نعم ، وأنه في معنى الجمع . وقرئ نسقيكم بالفتح والضم وهو استئناف
كأنه قيل كيف العبرة ؟ فقيل نسقيكم ( من بين فرث ودم ) أي يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه
وبينه وبينها برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله . قيل
إذا أكلت البهيمة العلف فاستقر في كرشها طبخته ، فكان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، والكبد مسلطة على
هذه الأصناف الثلاثة تقسمها ، فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضروع ، وتبقى الفرث في الكرش ،
فسبحان ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمل ؟ وسئل شقيق عن الإخلاص . فقال : تمييز العمل من
العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم ( سائغا ) سهل المرور في الحلق . ويقال : لم يغص أحد باللبن قط . وقرئ
سيغا بالتشديد وسيغا بالتخفيف كهين ولين . فإن قلت : أي فرق بين من الأولى والثانية ؟ قلت : الأولى
للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها كقولك : أخذت من مال زيد ثوبا ، والثانية لابتداء الغاية لأن بين الفرث
والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتد ، فهو صلة لنسقيكم كقولك سقيته من الحوض ، ويجوز أن يكون حالا
من قوله لبنا مقدما عليه فيتعلق بمحذوف : أي كائنا من بين فرث ودم ، ألا ترى أنه لو تأخر فقيل لبنا من بين
فرث ودم كان صفة له ، وإنما قدم لأنه موضع العبرة فهو قمن بالتقديم . وقد احتج بعض من يرى أن المني طاهر
على من جعله نجسا لجريه في مسلك البوم بهذه الآية ، وأنه ليس بمستنكر أن يسلك مسلك البوم وهو طاهر كما
خرج من بين فرث ودم طاهرا . فإن قلت : بم تعلق قوله ( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) . قلت : بمحذوف