تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب . ولا يحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء . وأنذر الناس
شرح
عهدي الظالمين - ( وتقبل دعائي ) أي عبادتي وأعتزلكم وما تدعون من دون الله . في قراءة أبي ولأبوي . وقرأ سعيد بن جبير ولوالدي على الإفراد : يعني أباه . وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما ولولدي : يعني إسماعيل وإسحق . وقرئ لولدي بضم الواو والولد بمعنى الولد كالعدم والعدم . وقيل جمع ولد كأسد في أسد . وفي بعض المصاحف ولذريتي . فإن قلت : كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين ؟ قلت : هو من مجوزات العقل لا يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف . وقيل أراد بوالديه آدم وحواء ، وقيل بشرط الإسلام ويأباه قوله - إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك - لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفارا صحيحا لا مقال فيه ، فكيف يستثنى الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم ( يوم يقوم الحساب ) أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل ، والديل عليه قولهم : قامت الحرب على ساقها ، ونحوه قولهم : ترجلت الشمس إذا أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل . ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام أهله إسنادا مجازيا ، أو يكون مثل - واسئل القرية - . وعن مجاهد : قد استجاب الله له فيما سأل ، فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته ، وجعل البلد آمنا ، ورزق أهله من الثمرات ، وجعله إماما ، وجعل في ذريته من يقيم الصلاة ، وأراه مناسكه وتاب عليه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كانت الطائف من أرض فلسطين ، فلما قال إبراهيم - ربنا إني أسكنت - الآية ، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم . فإن قلت : يتعالى الله عن السهو والغفلة ، فكيف يحسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلا حتى قيل ( ولا تحسبن الله غافلا ) ؟ قلت : إن كان خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه وجهان : أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلا كقوله - ولا تكونن من المشركين - ولا تدع مع الله إلها آخر - كما جاء في الأمر - يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله - . والثاني أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلا الإيذان بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه منه شئ وأنه معاقبهم على قليله وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله - والله بما تعملون عليم - يريد الوعيد . ويجوز أن يراد : ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير ، وإن كان خطابا لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلا لجهله بصفاته فلا سؤال فيه . وعن ابن عيينة : تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ، فقيل له من قال هذا ؟ فغضب وقال : إنما قاله من علمه . وقرئ يؤخرهم بالنون والياء ( تشخص فيه الأبصار ) أي أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى ( مهطعين ) مسرعين إلى الداعي ، وقيل الإهطاع أن تقبل ببصرك على المرئي تديم النظر إليه لا تطرف ( مقنعي رؤوسهم ) رافعيها ( لا يرتد إليهم طرفهم ) لا يرجع إليهم أن يطرقوا بعيونهم : أي لا يطرفون ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان ، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم . الهواء : الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ، فوصف به فقيل قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جرأة ، ويقال للأحمق أيضا قلبه هواء ، قال زهير * من الظلمان جؤجؤه هواء * لأن النعام مثل في الجبن والحمق ، وقال حسان : * فأنت مجوف نخب هواء * وعن ابن جريج : أفئدتهم هواء صفر من الخير خاوية منه . وقال
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 382 | الزمخشري