تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال . وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال . وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله
شرح
أبو عبيدة : جوف لا عقول لهم ( يوم يأتيهم العذاب ) مفعول ثان لأنذر وهو يوم القيامة . ومعنى ( أخرنا إلى أجل قريب ) ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك ، أو أريد باليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل ، أو يوم موتهم معذبين بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب كقوله - لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق - ( أو لم تكونوا أقسمتم ) على إرادة القول ، وفيه وجهان : أن يقولوا ذلك بطرا وأشرا ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه ، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا ، و ( ما لكم ) جواب القسم وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله أقسمتم ، ولو حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا ( من زوال ) والمعنى : أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء ، وقيل لا تنتقلون إلى دار أخرى ، يعني كفرهم بالبعث كقوله - وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت - يقال سكن الدار وسكن فيها ، ومنه قوله تعالى ( وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ) لأن السكنى من السكون الذي هو اللبث والأصل تعديه بفي كقولك : قر في الدار وغنى فيها وأقام فيها ، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل سكن الدار كما قيل تبوأها وأوطنها ، ويجوز أن يكون سكنوا من السكون : أي قروا فيها واطمأنوا طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد ، لا يحدثونها بما لقي الأولون من أيام الله وكيف كان عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا ( وتبين لكم ) بالإخبار والمشاهدة ( كيف ) أهلكناهم وانتقمنا منهم ، وقرئ ونبين لكم بالنون ( وضربنا لكم الأمثال ) أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم ، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم ( وقد مكروا مكرهم ) أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ( وعند الله مكرهم ) لا يخلو إما أن يكون مضافا إلى الفاعل كالأول على معنى : ومكتوب عند الله مكرهم فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه ، أو يكون مضافا إلى المفعول على معنى : وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة ، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته : أي وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال معدا لذلك ، وقد جعلت إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله تعالى - وما كان الله ليضيع إيمانكم - والمعنى : ومحال أن تزول الجبال بمكرهم ، على أن الجبال مثل الآيات لله وشرائعه ، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا ، وتنصره قراءة ابن مسعود : وما كان مكرهم . وقرئ لتزول بلام الابتداء على وإن كان مكرهم من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها . وقرأ علي وعمر رضي الله عنهما : وإن كان مكرهم ( مخلف وعده رسله ) يعني قوله