الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا
لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم
الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه
وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار . وإذ قال إبراهيم رب اجعل
هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس
شرح
كقوله تعالى - وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى - فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص ، فبعثوا
عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال : أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة ، ولا بما ينفقون فيه أموالهم من
المعاوضات والمكارمات ، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله . وقرئ لا بيع فيه ولا خلال بالرفع ( الله ) مبتدأ ،
و ( الذي خلق ) خبره و ( من الثمرات ) بيان للرزق : أي أخرج به رزقا هو ثمرات ، ويجوز أن يكون من الثمرات
مفعول أخرج و ( رزقا ) حالا من المفعول ، أو نصبا على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق ( بأمره ) بقوله
كن ( دائبين ) يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان
والنبات ( وسخر لكم الليل والنهار ) يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) من للتبعيض :
أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرا في مصالحكم . وقرئ من كل بالتنوين ، وما سألتموه نفي ومحله النصب على
الحال : أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ، ويجوز أن تكون ما موصولة على وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم
إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ( لا تحصوها ) لا تحصروها ولا
تطيقوا عدها وبلوغ آخرها ، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال ، وأما التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا
الله ( لظلوم ) يظلم النعمة بإغفال شكرها ( كفار ) شديد الكفران لها ، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفار
في النعمة يجمع ويمنع ، والإنسان للجنس فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من يوجدان منه ( هذا البلد ) يعنى البلد
الحرام زاده الله أمنا وكفاه كل باغ وظالم وأجاب فيه دعوة خليله إبراهيم عليه السلام ( آمنا ) ذا أمن . فإن قلت :
أي فرق بين قوله - اجعل هذا بلدا آمنا - وبين قوله - اجعل هذا البلد آمنا - ؟ قلت : قد سأل في الأول أن يجعله
من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من
الأمن كأنه قال : هو بلد مخوف فاجعله آمنا ( واجنبني ) وقرئ وأجنبني ، وفيه ثلاث لغات جنبه الشر وجنبه
وأجنبه ، فأهل الحجاز يقولون جنبني شره بالتشديد ، وأهل نجد جنبني وأجنبني ، والمعنى : ثبتنا وأدمنا على
اجتناب عبادتها ( وبني ) أراد بنيه من صلبه . وسئل ابن عيينة : كيف عبدت العرب الأصنام ؟ فقال ما عبد
أحد من ولد إسماعيل صنما واحتج بقوله - واجنبني وبني - ( أن نعبد الأصنام ) إنما كانت أنصاب حجارة لكل
قوم ، قالوا البيت حجر ، فحيثما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت ، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ،
فاستحب أن يقال طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت ( إنهن أضللن كثيرا من الناس ) فأعوذ بك أن تعصمني وبني
من ذلك ، وإنما جعلن مضلات لأن الناس ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم : أي