إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله
الواحد القهار . وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد . سرابيلهم من قطران
شرح
- إنا لننصر رسلنا - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - فإن قلت : هلا قيل مخلف رسله وعده ولم قدم المفعول الثاني على
الأول ؟ قلت : قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله - إن الله لا يخلف الميعاد - ثم قال رسله ليؤذن أنه
إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من وعده إخلاف المواعيد ، كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ؟ وقرئ
مخلف وعده رسله بجر الرسل ونصب الوعد ، وهذه في الضعف كمن قرأ - قتل أولادهم شركائهم - ( عزيز )
غالب لا يماكر ( ذو انتقام ) لأوليائه من أعدائه ( يوم تبدل الأرض ) انتصابه على البدل من يوم يأتيهم ، أو على
الظرف للانتقام . والمعنى : يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعرفة وكذلك السماوات .
والتبديل التغيير ، وقد يكون في الذوات كقولك : بدلت الدراهم دنانير ، ومنه - بدلناهم جلودا غيرها - وبدلناهم
بجنتيهم جنتين - وفي الأوصاف كقولك : بدلت الحلقة خاتما : إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ،
ومنه قوله تعالى - فأولائك يبدل الله سيئاتهم حسنات - . واختلف في تبديل الأرض والسماوات ، فقيل تبدل
أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وعن ابن عباس : هي
تلك الأرض وإنما تغير وأنشد :
وما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت تعلم
وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا . وقيل يخلق بدلها
أرض وسموات أخر . وعن ابن مسعود وأنس " يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة " وعن
علي رضي الله عنه " تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب " وعن الضحاك أرضا من فضة بيضاء كالصحائف .
وقرئ يوم نبدل الأرض بالنون . فإن قلت : كيف قال ( الواحد القهار ) . قلت : هو كقوله - لمن الملك اليوم
لله الواحد القهار - لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب ولا يعاز فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار ،
كأن الأمر في غاية الصعوبة والشدة ( مقرنين ) قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين ، أو قرنت أيديهم إلى
أرجلهم مغللين ، وقوله ( في الأصفاد ) إما أن يتعلق بمقرنين : أي يقرنون في الأصفاد ، وإما أن يتعلق به
فيكون المعنى : مقرنين مصفدين . والأصفاد القيود ، وقيل الأغلال ، وأنشد لسلامة ابن جندل :
وزيد الخيل قد لاقي صفادا * يعض بساعد وبعظم ساق
القطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطران بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء : وهو ما يتحلب من