تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار . وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد . سرابيلهم من قطران
شرح
- إنا لننصر رسلنا - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي - فإن قلت : هلا قيل مخلف رسله وعده ولم قدم المفعول الثاني على الأول ؟ قلت : قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله - إن الله لا يخلف الميعاد - ثم قال رسله ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من وعده إخلاف المواعيد ، كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته ؟ وقرئ مخلف وعده رسله بجر الرسل ونصب الوعد ، وهذه في الضعف كمن قرأ - قتل أولادهم شركائهم - ( عزيز ) غالب لا يماكر ( ذو انتقام ) لأوليائه من أعدائه ( يوم تبدل الأرض ) انتصابه على البدل من يوم يأتيهم ، أو على الظرف للانتقام . والمعنى : يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعرفة وكذلك السماوات . والتبديل التغيير ، وقد يكون في الذوات كقولك : بدلت الدراهم دنانير ، ومنه - بدلناهم جلودا غيرها - وبدلناهم بجنتيهم جنتين - وفي الأوصاف كقولك : بدلت الحلقة خاتما : إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى - فأولائك يبدل الله سيئاتهم حسنات - . واختلف في تبديل الأرض والسماوات ، فقيل تبدل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وعن ابن عباس : هي تلك الأرض وإنما تغير وأنشد : وما الناس بالناس الذين عهدتهم * ولا الدار بالدار التي كنت تعلم وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا . وقيل يخلق بدلها أرض وسموات أخر . وعن ابن مسعود وأنس " يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة " وعن علي رضي الله عنه " تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب " وعن الضحاك أرضا من فضة بيضاء كالصحائف . وقرئ يوم نبدل الأرض بالنون . فإن قلت : كيف قال ( الواحد القهار ) . قلت : هو كقوله - لمن الملك اليوم لله الواحد القهار - لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب ولا يعاز فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار ، كأن الأمر في غاية الصعوبة والشدة ( مقرنين ) قرن بعضهم مع بعض أو مع الشياطين ، أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين ، وقوله ( في الأصفاد ) إما أن يتعلق بمقرنين : أي يقرنون في الأصفاد ، وإما أن يتعلق به فيكون المعنى : مقرنين مصفدين . والأصفاد القيود ، وقيل الأغلال ، وأنشد لسلامة ابن جندل : وزيد الخيل قد لاقي صفادا * يعض بساعد وبعظم ساق القطران فيه ثلاث لغات : قطران وقطران وقطران بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء : وهو ما يتحلب من