ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شئ في الأرض ولا في السماء .
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء . رب
اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي
شرح
بسكنى حرمه ووفقنا لشكر نعمه ، وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه السلام ، ورزقنا طرفا من
سلامة ذلك القلب السليم . النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى ( إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ) تعلم السر
كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه ، لأن غيبا من الغيوب لا يحتجب عنك ، والمعنى : أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا
وما يفسدنا منا ، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها ، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب ، وإنما ندعوك إظهارا
للعبودية لك وتخشعا لعظمتك وتذللا لعزتك أو افتقارا إلى ما عندك واستعجالا لنيل أياديك وولها إلى رحمتك ، وكما
يتملق العبد بين يدي سيده رغبة في إصابة معروفه مع توفر السيد على حسن الملكة . وعن بعضهم : أنه رفع
حاجته إلى كريم فأبطأ عليه النجح ، فأراد أن يذكره فقال : مثلك لا يذكر استقصارا ولا توهما للغفلة عن جواب
السائلين ، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم فيها . وقيل ما نخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة ، وما
نعلن من البكاء والدعاء . وقيل ما نخفي من كآبة الافتراق وما نعلن : يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له
عند الوداع : إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله أكلكم ، قالت : الله أمرك بهذا ؟ قال : نعم ، قالت : إذن لا نخشى
تركتنا إلى كاف ( وما يخفى على الله من شئ ) من كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام كقوله - وكذلك
يفعلون - أو من كلام إبراهيم : يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شئ في كل مكان ، ومن للاستغراق
كأنه قيل : وما يخفى عليه شئ ما . على في قوله ( على الكبر ) بمعنى مع كقوله :
إني على ما ترين من كبري * أعلم من حيث تؤكل الكتف
وهو في موضع الحال ، معناه : وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر . روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع
وتسعين سنة ، وولد له إسحاق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة ، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين وإسحق
لتسعين . وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة
الولد فيها أعظم من حيث إنها حال وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة على عقب الياس من أجل النعم وأحلاها
في نفس الظافر ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم ( إن ربي لسميع الدعاء ) كان قد دعا ربه
وسأله الولد فقال - رب هب لي من الصالحين - فشكر لله ما أكرمه به من إجابته . فإن قلت : الله تعالى يسمع كل
دعاء أجابه أو لم يجبه . قلت : هو من قولك سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ، ومنه سمع الله لمن حمده ،
وفي الحديث " ما أذن الله لشئ كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن " . فإن قلت : ما هذه الإضافة إضافة السميع إلى الدعاء ؟
قلت : إضافة الصفة إلى مفعولها وأصله لسميع الدعاء ، وقد ذكر سيبويه فعيلا في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل
الفعل كقولك : هذا ضروب زيدا وضراب أخاه ومنحار إبله وحذر أمورا ورحيم أباه . ويجوز أن يكون من
إضافة فعيل إلى فاعله ، ويجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي ، والمراد سماع الله ( ومن ذريتي ) وبعض ذريتي
عطفا على المنصوب في اجعلني ، وإنما بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله - لا ينال