تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون .
شرح
افتتنوا بها واغتروا بسببها ( فمن تبعني ) على ملتي وكان حنيفا مسلما مثلي ( فإنه مني ) أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته لي ، وكذلك قوله " من غشنا فليس منا " أي ليس بعض المؤمنين على أن الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم ( ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا بدا له فيه واستحدث الطاعة لي ، وقيل معناه : ومن عصاني فيما دون الشرك ( من ذريتي ) بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه ( بواد ) هو وادي مكة ( غير ذي زرع ) لا يكون فيه شئ من زرع قط كقوله - قرآنا عربيا غير ذي عوج - بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ما فيه إلا الاستقامة لا غير . وقيل للبيت المحرم لأن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه ، أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزا يهابه كل جبار ، كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب ، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها ، أو لأنه حرم على الطوفان : أي منع منه ، كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه ( ليقيموا الصلاة ) اللام متعلقة بأسكنت : أي ما أسكتنهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق ، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك ، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع ، مستسعدين بجوارك الكريم ، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله ، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك ( أفئدة من الناس ) أفئدة من أفئدة الناس ، ومن للتبعيض ، ويدل عليه ما روي عن مجاهد : لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم . وقيل لو لم يقل من لازدحموا عليه حتى الروم والترك والهند ، ويجوز أن يكون من للابتداء كقولك القلب مني سقيم ، تريد قلبي ، فكأنه قيل أفئدة ناس ، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا التمثيل لتنكير أفئدة لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة . وقرئ آفدة بوزن قاعدة . وفيه وجهان : أحدهما أن يكون من القلب كقولك آدر في أدؤر . والثاني أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت : أي جماعة أو جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم . وقرئ أفدة ، وفيه وجهان : أحدهما أن تطرح الهمزة للتخفيف وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين ، وأن يكون من أفد ( تهوي إليهم ) تسرع إليه وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من قوله : * يهوى مخارمها هوي الأجدل * وقرئ تهوى إليهم على البناء للمفعول من هوى إليه وأهواه غيره ، وتهوى إليهم من هوى يهوى : إذا أحب ، ضمن معنى تنزع فعدي تعديته ( وارزقهم من الثمرات ) مع سكناهم واديا ما فيه شئ منها بأن تجلب إليهم من البلاد ( لعلهم يشكرون ) النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء ، لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوته ، فجعله حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه ، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلاد وأكثرها ثمارا ، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة التي يريكها الله - بواد غير ذي زرع - وهي اجتماع البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد ، وليس ذلك من آياته بعجيب ، متعنا الله