تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين . فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت أخرج عليهن فلما رأينه
شرح
القوم المتعمدين للذنب ، يقال خطئ إذا أذنب متعمدا ، وإنما قال من الخاطئين بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث ، وما كان العزيز إلا رجلا حليما . وروى أنه كان قليل الغيرة ( وقال نسوة ) وقال جماعة من النساء وكن خمسا : امرأة الساقي ، وامرأة الخباز ، وامرأة صاحب الدواب ، وامرأة صاحب السجن ، وامرأة الحاجب والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة ، وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة ولذلك لم يلحق فعله تاء التأنيث ، وفيه لغتان كسر النون وضمها ( في المدينة ) في مصر ( امرأة العزيز ) يردن قطفير ، والعزيز : الملك بلسان العرب ( فتاها ) غلامها ، يقال فتاي وفتاتي : أي غلامي وجاريتي ( شغفها ) خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد ، والشغاف : حجاب القلب ، وقيل جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب ، قال النابغة : وقد حال هم دون ذلك والج مكان الشغاف تبتغيه الأصابع وقرئ شعفها بالعين من شعف البعير إذا هناه فأحرقه بالقطران قال : * كما شعف المهنؤءة الرجل الطالي * و ( حبا ) نصب على التميز ( في ضلال مبين ) في خطأ وبعد عن طريق الصواب ( بمكرهن ) باغتيابهن وسوء قالتهن وقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها ، وسمى الاغتياب مكرا لأنه في خفية وحال غيبة كما يخفى الماكر مكره . وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه عليها ( أرسلت إليهن ) دعتهن ، قيل دعت أربعين امرأة منهن الخمس المذكورات ( وأعتدت لهن متكأ ) ما يتكئن عليه من نمارق قصدت بتلك الهيئة وهم قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها ، لأن المتكئ إذا بهت لشئ وقعت يده على يده ، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهن ، فتضع الخناجر في أيديهن ليقطعن أيديهن فتبكتهن بالحجة ، ولتهول يوسف عن مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن الخناجر توهمه أنهن يثبن عليه . وقيل متكأ مجلس طعام ، لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين ، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئا ، وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن . وقيل متكأ طعاما من قولك اتكأنا عند فلان طعمنا على سبيل الكناية ، لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها ، قال جميل : فظللنا بنعمة واتكأنا * وشربنا الحلال من قلله وعن مجاهد : متكأ طعاما يحز حزا ، كأن المعنى : يعتمد بالسكين لأن القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين . وقرئ متكأ بغير همز ، وعن الحسن متكاء بالمد كأنه مفتعال ، وذلك لإشباع فتحة الكاف كقوله بمنتزاح بمعنى بمنتزح ، ونحوه ينباع بمعنى ينبع . وقرئ متكأ وهو الأترج وأنشد : فأهدت متكة لبنى أبيها * نخب بها العثمثمة الوقاح