وحال بينهما الموج فكان من المغرقين . وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي
وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .
شرح
رحيما في قوله - إن ربى لغفور رحيم - وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء قال له : لا يعصمك اليوم معتصم
قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم : يعنى السفينة . وقيل لا عاصم بمعنى
لا عصمة إلا من رحمة الله كقوله - ماء دافق - و - عيشة راضية - وقيل إلا من رحم استثناء منقطع كأنه قيل : ولكن
من رحمه الله فهو المعصوم كقوله - مالهم به من علم إلا اتباع الظن - وقرئ إلا من رحم على البناء للمفعول . نداء
الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات
وهو قوله - يا أرض - ويا سماء - ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله - ابلعي ماءك و - اقلعي - من الدلالة
على الاقتدار العظيم ، وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه
كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور ، وتبينوا تحتم طاعته عليهم
وانقيادهم له وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث ،
فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء . والبلع عبارة عن النشف . والإقلاع الإمساك ،
يقال أقلع المطر وأقلعت الحمى ( وغيض الماء ) من غاضه إذا نقصه ( وقضى الأمر ) وأنجز ما وعد الله نوحا من
هلاك قومه ( واستوت ) واستقرت السفينة ( على الجودي ) وهو جبل بالموصل ( وقيل بعدا ) يقال بعد بعدا وبعدا :
إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك ، ولذلك اختص بدعاء السوء ، ومجئ إخباره على الفعل
المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء ، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر وتكوين