ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين .
قال يا نوح إنه ليس من أهلك
شرح
مكون قاهر ، وإن فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله ، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره - يا أرض ابلعي
ماءك ويا سماء اقلعي - ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره ، ولا أن تستوى السفينة على متن الجودي وتستقر عليه
إلا بتسويته وإقراره ، ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم ،
لا لتجانس الكلمتين وهما قوله - ابلعي ، واقلعي - وذلك وإن كان لا يخلى الكلام من حسن فهو كغير الملتفت إليه
بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور . وعن قتادة : استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب ،
وكانت في الماء خمسين ومائة يوم ، واستقرت بهم على الجودي شهرا وهبط بهم يوم عاشوراء . وروى أنها مرت
بالبيت فطافت به سبعا وقد أعتقه الله من الغرق . وروى أن نوحا صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكرا لله
تعالى . نداؤه ربه دعاؤه له وهو قوله - رب - مع ما بعده من اقتضاء وعده في تنجية أهله ، فإن قلت : فإذا كان
النداء هو قوله - رب - فكيف عطف قال رب على نادى بالفاء ؟ قلت : أريد بالنداء إرادة النداء ، ولو أريد
النداء نفسه فجاء كما جاء قوله - إذ نادى ربه نداء خفيا - قال رب بغير فاء ( إن ابني من أهلي ) أي بعض أهلي لأنه
كان ابنه من صلبه ، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله ( وإن وعدك الحق ) وإن كان وعد تعده فهو الحق الثابت
الذي لاشك في إنجازه والوفاء به وقد وعدتني أن تنجى أهلي فما بال ولدى ( وأنت أحكم الحاكمين ) أي أعلم
الحكام وأعدلهم ، لأنه لافضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل ، ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي
الحكومة في زمانك قد لقب أقضى القضاة ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر . ويجوز أن يكون من الحكمة على
أن يبنى من الحكمة حاكم بمعنى النسبة ، كما قيل دارع من الدرع ، وحائض وطالق على مذهب الخليل