وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم . وهى تجرى بهم
في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا ولا تكن مع
الكافرين . قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا
من رحم
شرح
فلا تكون كلاما برأسه ولكن فضله من فضلات الكلام الأول ، وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك كأنه قيل :
اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم الله ، بمعنى التقدير كقوله تعالى - ادخلوها خالدين - ( إن ربى لغفور رحيم ) لولا
مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم . فإن قلت : بم اتصل قوله ( وهى تجرى بهم ) ؟ قلت : بمحذوف دل
عليه اركبوا فيها بسم الله كأنه قيل : فركبوا فيها يقولون بسم الله وهى تجرى بهم : أي تجرى وهم فيها ( في موج
كالجبال ) يريد موج الطوفان شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها . فإن قلت : الموج ما يرتفع فوق
الماء عند اضطرابه وزخيره وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض وكانت الفلك تجرى في جوف الماء كما
تسبح السمكة ، فما معنى جريها في الموج ؟ قلت : كان ذلك قبل التطبيق وقبل أن يغمر الطوفان الجبال ، ألا ترى
إلى قول ابنه - سآوي إلى جبل يعصمني من الماء - قيل كان اسم ابنه كنعان ، وقيل يام ، وقرأ علي رضي الله عنه
ابنها والضمير لامرأته . وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير ابنه بفتح الهاء يريدان ابنها ، فاكتفيا بالفتحة عن
الألف ، وبه ينصر مذهب الحسن . قال قتادة : سألته فقال : والله ما كان ابنه ، فقلت إن الله حكى عنه - إن
ابني من أهلي - وأنت تقول لم يكن ابنه وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه ، فقال : ومن يأخذ دينه من
أهل الكتاب واستدل بقوله - من أهلي - ولم يقل منى . ولنسبته إلى أمه وجهان : أحدهما أن يكون ربيبا له كعمر
ابن أبي سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون لغير رشدة ، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم
السلام . وقرأ السدى : ونادى نوح ابناه ، على الندبة والترثي أي قال يا ابناه . والمعزل مفعل من عزله عنه إذا نحاه
وأبعده : يعنى وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين . وقيل كان في معزل عن دين أبيه
( يا بني ) قرئ بكسر الياء اقتصارا عليه من ياء الإضافة ، وبالفتح اقتصارا عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة
في قولك يا بنيا ، وسقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين لأن الراء بعدهما ساكنة ( إلا من رحم ) إلا الراحم وهو الله
تعالى ، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله : أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين ، وكان لهم غفورا