تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
إنه عمل غير صالح ، فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين . قال رب إني أعوذ بك
شرح
( إنه عمل غير صالح ) تعليل لانتفاء كونه من أهله ، وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب ، وأن نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك ، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك ، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه كقولها : * فإنما هي إقبال وإدبار * وقيل الضمير لنداء نوح : أي إن نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك . فإن قلت : فهلا قيل إنه عمل فاسد ؟ قلت : لما نفاه عن أهله نفى عنه صفتهم بكلمة النفي التي يستبقى معها لفظ المنفى ، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله لصلاحهم لا لأنهم أهلك وأقاربك ، وأن هذا لما انتفى عنه الصلاح لم تنفعه أبوتك كقوله - كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا - وقرئ عمل غير صالح : أي عملا غير صالح وقرئ فلا تسئلن بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء : يعنى فلا تلتمس منى ملتمسا أو التماسا لاتعلم أصواب هو أم غير صواب حتى تقف على كنهه ، وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين خاف عليه . فإن قلت : لم سمى نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه ؟ قلت : قد تضمن دعاؤه معنى السؤال وإن لم يصرح به ، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت مشارفة ولده الغرق فقد استنجز ، وجعل سؤال مالا يعرف كنهه جهلا وغباوة ، ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين . فإن قلت : قد وعده أن ينجى أهله وما كان عنده أن ابنه ليس منهم دينا ، فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الآمر لأن العدة قد سبقت له ، وقد عرف الله حكيما لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد ، فطلب إماطة الشبهة وطلب إماطة الشبهة واجب ، فلم زجر وسمى سؤاله جهلا ؟ قلت : إن الله عز وعلا قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم ، فكان عليه أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح ، وأن كلهم ليسوا بناجين ، وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من المستثنين لا من المستثنى منهم ،