من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم . حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور
قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ،
وما آمن معه إلا قليل .
شرح
بعصاه فقال : قم بإذن الله ، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب ، فقال له عيسى عليه السلام : أهكذا
هلكت ؟ قال : لا ، مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمة شبت ، قال : حدثنا عن سفينة نوح ، قال :
كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : طبقة للدواب والوحوش ،
وطبقة للإنس ، وطبقة للطير ، ثم قال له : عد بإذن الله كما كنت ، فعاد ترابا ( من يأتيه ) في محل النصب
بتعلمون : أي فسوف تعلمون الذي يأتيه ( عذاب يخزيه ) يعنى به إياهم ، ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو
الغرق ( ويحل عليه ) حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عند ( عذاب مقيم ) وهو عذاب الآخرة ( حتى )
هي التي يبتدأ بعدها الكلام دخلت على الجملة من الشرط والجزاء . فإن قلت : وقعت غاية لماذا ؟ قلت : لقوله
- ويصنع الفلك - أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد . فإن قلت : فإذا اتصلت حتى بيصنع قما تصنع بما
بينهما من الكلام ؟ قلت : هو حال من يصنع كأنه قال يصنعها ، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه .
فإن قلت : فما جواب كلما ؟ قلت : أنت بين أمرين : إما أن تجعل سخروا جوابا وقال استئنافا على تقدير سؤال
سائل ، أو تجعل سخروا بدلا من مر أو صفة الملأ وقال جوابا ( وأهلك ) عطف على اثنين وكذلك ( ومن آمن )
يعنى واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم . واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار : وما سبق عليه
القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر لا لتقديره عليه وإرادته به ، تعالى الله عن ذلك . قال الضحاك : أراد ابنه وامرأته
( إلا قليل ) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم ) . وعن
محمد بن إسحاق : كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة . وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة وأولاد نوح سام
وحام ويافث ونساؤهم ، فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء . ويجوز أن يكون كلاما واحدا
وكلامين ، فالكلام الواحد أن يتصل - باسم الله - باركبوا حال من الواو بمعنى اركبوا فيها مسمين الله ، أو قائلين بسم
الله وقت إجرائها ووقت إرسائها ، إما لأن المجرى والمرسى للوقت ، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء
حذف منهما الوقت المضاف كقولهم : خفوق النجم ومقدم الحاج . ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء ونتصابهما
بما في بسم الله من معنى الفعل أو بما فيه من إرادة القول . والكلامان أن يكون - بسم الله مجراها ومرساها - جملة من
مبتدأ وخبر مقتضبة : أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها . يروى أنه كان إذا أراد أن تجرى قال بسم الله فجرت ،
وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست . ويجوز أن يقحم الاسم كقوله * ثم اسم السلام عليكما * ويراد بالله
إجراؤها وإرساؤها : أي بقدرته وأمره . وقرئ مجراها ومرساها بفتح الميم من جرى ورسى : إما مصدرين ، أو
وقتين ، أو مكانين . وقرأ مجاهد مجريها مرساها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله . فإن قلت : ما معنى
قولك جملة مقتضبة ؟ قلت : معناه أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم
الله أو بأمره وقدرته . ويحتمل أن تكون غير مقتضبة بأن تكون في موضع الحال كقوله * وجاءونا بهم سكر علينا