تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم . حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل .
شرح
بعصاه فقال : قم بإذن الله ، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب ، فقال له عيسى عليه السلام : أهكذا هلكت ؟ قال : لا ، مت وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمة شبت ، قال : حدثنا عن سفينة نوح ، قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث طبقات : طبقة للدواب والوحوش ، وطبقة للإنس ، وطبقة للطير ، ثم قال له : عد بإذن الله كما كنت ، فعاد ترابا ( من يأتيه ) في محل النصب بتعلمون : أي فسوف تعلمون الذي يأتيه ( عذاب يخزيه ) يعنى به إياهم ، ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو الغرق ( ويحل عليه ) حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عند ( عذاب مقيم ) وهو عذاب الآخرة ( حتى ) هي التي يبتدأ بعدها الكلام دخلت على الجملة من الشرط والجزاء . فإن قلت : وقعت غاية لماذا ؟ قلت : لقوله - ويصنع الفلك - أي وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد . فإن قلت : فإذا اتصلت حتى بيصنع قما تصنع بما بينهما من الكلام ؟ قلت : هو حال من يصنع كأنه قال يصنعها ، والحال أنه كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه . فإن قلت : فما جواب كلما ؟ قلت : أنت بين أمرين : إما أن تجعل سخروا جوابا وقال استئنافا على تقدير سؤال سائل ، أو تجعل سخروا بدلا من مر أو صفة الملأ وقال جوابا ( وأهلك ) عطف على اثنين وكذلك ( ومن آمن ) يعنى واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم . واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار : وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر لا لتقديره عليه وإرادته به ، تعالى الله عن ذلك . قال الضحاك : أراد ابنه وامرأته ( إلا قليل ) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم ) . وعن محمد بن إسحاق : كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة . وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة وأولاد نوح سام وحام ويافث ونساؤهم ، فالجميع ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء . ويجوز أن يكون كلاما واحدا وكلامين ، فالكلام الواحد أن يتصل - باسم الله - باركبوا حال من الواو بمعنى اركبوا فيها مسمين الله ، أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها ، إما لأن المجرى والمرسى للوقت ، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء حذف منهما الوقت المضاف كقولهم : خفوق النجم ومقدم الحاج . ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء ونتصابهما بما في بسم الله من معنى الفعل أو بما فيه من إرادة القول . والكلامان أن يكون - بسم الله مجراها ومرساها - جملة من مبتدأ وخبر مقتضبة : أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها . يروى أنه كان إذا أراد أن تجرى قال بسم الله فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست . ويجوز أن يقحم الاسم كقوله * ثم اسم السلام عليكما * ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها : أي بقدرته وأمره . وقرئ مجراها ومرساها بفتح الميم من جرى ورسى : إما مصدرين ، أو وقتين ، أو مكانين . وقرأ مجاهد مجريها مرساها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل صفتين لله . فإن قلت : ما معنى قولك جملة مقتضبة ؟ قلت : معناه أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره وقدرته . ويحتمل أن تكون غير مقتضبة بأن تكون في موضع الحال كقوله * وجاءونا بهم سكر علينا