تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
وأنا برئ مما تجرمون . وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون . واصنع الفلك بأعيننا ووحينا وتخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون . ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون . فسوف تعلمون
شرح
علي ( وأنا برئ ) يعنى ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه ، ومعنى ( مما تجرمون ) من إجرامكم في إسناد الافتراء إلى فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم ( لن يؤمن ) إقناط من إيمانهم ، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع ( إلا من قد آمن ) إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه ، وقد للتوقع وقد أصابت محزها ( فلا تبتئس ) فلا تحزن حزن بائس مسكين قال : ما يقسم الله أقبل غير مبتئس * منه وأقعد كريما ناعم البال والمعنى : فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك فقد حان الانتقام لك منه منهم ( بأعيننا ) في موضع الحال بمعنى أصنعها محفوظا وحقيقته ملتبسا بأعيننا ، كأن الله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن الصواب ، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه ( ووحينا ) وإنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع عن ابن عباس رضي الله عنه : لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا ) ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك ( إنهم مغرقون ) إنهم محكوم عليهم بالإغراق ، وقد وجب ذلك وقضى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه كقوله - يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود - ( ويصنع الفلك ) حكاية حال ماضية ( سخروا منه ) ومن عمله السفينة ، وكان يعملها في برية يهماء في أبعد موضع من الماء ، وفى وقت عز الماء فيه عزة شديدة ، فكانوا يتضاحكون ويقولون له : يا نوح صرت نجارا بعد ما كنت نبيا ( فإنا نسخر منكم ) يعنى في المستقبل ( كما تسخرون ) منا الساعة : أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة . وقيل إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه فأنتم أولى بالاستجهال منا ، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم ، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر وبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق . وروى أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون دراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وكانت من خشب الساج ، وجعل لها ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفى البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضا بين الرجال والنساء . وعن الحسن : كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة . وقيل إن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام : لو بعث لنا رجل شهد السفينة يحدثنا عنها ؟ فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب فقال : أتدرون من هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا كعب بن حام ، قال فضرب الكثيب