وأنا برئ مما تجرمون . وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن
فلا تبتئس بما كانوا يفعلون . واصنع الفلك بأعيننا ووحينا وتخاطبني في
الذين ظلموا إنهم مغرقون . ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه
قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون . فسوف تعلمون
شرح
علي ( وأنا برئ ) يعنى ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه ، ومعنى ( مما تجرمون ) من إجرامكم في إسناد الافتراء إلى
فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم ( لن يؤمن ) إقناط من إيمانهم ، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به للتوقع ( إلا من قد
آمن ) إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من إيمانه ، وقد للتوقع وقد أصابت محزها ( فلا تبتئس ) فلا تحزن حزن
بائس مسكين قال :
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس * منه وأقعد كريما ناعم البال
والمعنى : فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك فقد حان الانتقام لك منه منهم ( بأعيننا ) في
موضع الحال بمعنى أصنعها محفوظا وحقيقته ملتبسا بأعيننا ، كأن الله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في صنعته عن
الصواب ، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه ( ووحينا ) وإنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع عن
ابن عباس رضي الله عنه : لم يعلم كيف صنعة الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر ( ولا تخاطبني
في الذين ظلموا ) ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك ( إنهم مغرقون ) إنهم محكوم عليهم
بالإغراق ، وقد وجب ذلك وقضى به القضاء وجف القلم فلا سبيل إلى كفه كقوله - يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه
قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود - ( ويصنع الفلك ) حكاية حال ماضية ( سخروا منه ) ومن عمله
السفينة ، وكان يعملها في برية يهماء في أبعد موضع من الماء ، وفى وقت عز الماء فيه عزة شديدة ، فكانوا
يتضاحكون ويقولون له : يا نوح صرت نجارا بعد ما كنت نبيا ( فإنا نسخر منكم ) يعنى في المستقبل ( كما تسخرون )
منا الساعة : أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة . وقيل إن
تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه فأنتم أولى بالاستجهال
منا ، أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم ، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر وبناء على
ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق . وروى أن نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين وكان
طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون دراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وكانت من خشب الساج ، وجعل لها
ثلاثة بطون ، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام ، وفى البطن الأوسط الدواب والأنعام ، وركب
هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد ، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضا بين الرجال
والنساء . وعن الحسن : كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة . وقيل إن الحواريين قالوا لعيسى عليه
السلام : لو بعث لنا رجل شهد السفينة يحدثنا عنها ؟ فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك
التراب فقال : أتدرون من هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا كعب بن حام ، قال فضرب الكثيب