تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
أنلزمكموها وأنتم لها كارهون . ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون . وقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب
شرح
يقدر فعميت بعد البينة ، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة ، ومعنى عميت : خفيت . وقرئ فعميت بمعنى أخفيت . وفى قراءة أبى فعماها عليكم . فإن قلت : فما حقيقته ؟ قلت : حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء ، لأن الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره ، فمعنى فعميت عليكم البينة : فلم تهدكم كما لو عمى على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد . فإن قلت : فما معنى قراءة أبى ؟ قلت : المعنى إنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله وتصميمهم فجعلت تلك التخلية تعمية منه ، والدليل عليه قوله ( أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) يعنى أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها وأنتم تكرهونها ولا تختارونها ولا إكراه في الدين ، وقد جئ بضميري المفعولين متصلين جميعا . ويجوز أن يكون الثاني منفصلا كقولك أنلزمكم إياها ، ونحوه - فسيكفيكهم الله - ويجوز فسيكفيك إياهم . وحكى عن أبي عمرو إسكان الميم ، ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكونا ، والإسكان الصريح لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين ، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر . والضمير في قوله ( لا أسئلكم عليه ) راجع إلى قوله لهم ( إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله ) . وقرئ : وما أنا بطارد الذين آمنوا بالتنوين على الأصل . فإن قلت : ما معنى قوله ( إنهم ملاقوا ربهم ) ؟ قلت : معناه إنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم ، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم ، أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادي الرأي من غير نظر وتفكر ، وما على أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون ، ونحوه - ولا تطرد الذين يدعون ربهم الآية ، أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة ( تجهلون ) تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل من قوله : * ألا لا يجهلن أحد علينا * أو تجهلون لقاء ربكم ، أو تجهلون أنهم خير منكم ( من ينصرني من الله ) من يمنعني من انتقامه ( إن طردتهم ) وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا به أنفة من أن يكونوا معهم على سواء ( أعلم الغيب ) معطوف على عندي خزائن الله : أي لا أقول عندي خزائن الله ، ولا أقول أنا أعلم الغيب ، ومعناه : لا أقول لكم عندي خزائن الله فأدعي فضلا عليكم في الغنى
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 266 | الزمخشري