إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم . فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا
بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من
فضل بل نظنكم كاذبين . قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني
رحمة من عنده فعميت عليكم
شرح
مفسره متعلقة بأرسلنا أو بنذير . وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازى لوقوع الألم فيه ، فإن قلت : فإذا وصف
به العذاب ؟ قلت : مجازى مثله لأن الأليم في الحقيقة هو العذاب ونظيرهما قولك نهارك صائم وجد جده ( الملأ )
الأشراف من قولهم فلان ملئ بكذا إذا كان مطيقا له ، وقد ملئوا بالأمر لأنهم ملئوا بكفايات الأمور واضلعوا
بها وبتدبيرها ، أو لأنهم يتمالئون : أي يتظاهرون ويتساندون ، أو لأنهم يملئون القلوب هيبة والمجالس أبهة ، أو
لأنهم ملأء بالأحلام والآراء الصائبة ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة ، وإن الله لو أراد إن
يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملأ وموازلهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم ؟
ألا ترى إلى قولهم - وما نرى لكم علينا من فضل - أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشرا والأراذل جمع
الأرذل كقوله - أكابر مجرميها - ( أحاسنكم أخلاقا ) قرئ بادي الرأي بالهمز وغير الهمز بمعنى اتبعوك أول الرأي
أو ظاهر الرأي ، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث أول رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم ، فحذف
ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شئ عن لهم بديهة من غير روية ونظر ، وإنما استرذلوا
المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة
الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه
إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحدا من الله وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ،
فضلا أن يجعله سببا في الاختيار للنبوة والتأهيل لها . على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة
ورفض الدنيا مزهدين فيها مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها ، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله
والتشرف بما هو ضعة عند الله ( من فضل ) من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوة ( بل نظنكم كاذبين ) فيما تدعونه
( أرأيتم ) أخبروني ( إن كنت على بينة ) على برهان ( من ربى ) وشاهد منه يشهد بصحة دعواي ( وآتاني رحمة من
عنده ) بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة ، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة . فإن قلت
فقوله ( فعميت ) ظاهر على الوجه الأول ، فما وجهه عن الوجه الثاني وحقه أن يقال فعميتا ؟ قلت : الوجه أن