تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم . فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين . قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم
شرح
مفسره متعلقة بأرسلنا أو بنذير . وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازى لوقوع الألم فيه ، فإن قلت : فإذا وصف به العذاب ؟ قلت : مجازى مثله لأن الأليم في الحقيقة هو العذاب ونظيرهما قولك نهارك صائم وجد جده ( الملأ ) الأشراف من قولهم فلان ملئ بكذا إذا كان مطيقا له ، وقد ملئوا بالأمر لأنهم ملئوا بكفايات الأمور واضلعوا بها وبتدبيرها ، أو لأنهم يتمالئون : أي يتظاهرون ويتساندون ، أو لأنهم يملئون القلوب هيبة والمجالس أبهة ، أو لأنهم ملأء بالأحلام والآراء الصائبة ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة ، وإن الله لو أراد إن يجعلها في أحد من البشر لجعلها فيهم ، فقالوا : هب أنك واحد من الملأ وموازلهم في المنزلة فما جعلك أحق منهم ؟ ألا ترى إلى قولهم - وما نرى لكم علينا من فضل - أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشرا والأراذل جمع الأرذل كقوله - أكابر مجرميها - ( أحاسنكم أخلاقا ) قرئ بادي الرأي بالهمز وغير الهمز بمعنى اتبعوك أول الرأي أو ظاهر الرأي ، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث أول رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم ، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه ، أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شئ عن لهم بديهة من غير روية ونظر ، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ، ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحدا من الله وإنما يبعده ، ولا يرفعه بل يضعه ، فضلا أن يجعله سببا في الاختيار للنبوة والتأهيل لها . على أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا مزهدين فيها مصغرين لشأنها وشأن من أخلد إليها ، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله والتشرف بما هو ضعة عند الله ( من فضل ) من زيادة شرف علينا تؤهلكم للنبوة ( بل نظنكم كاذبين ) فيما تدعونه ( أرأيتم ) أخبروني ( إن كنت على بينة ) على برهان ( من ربى ) وشاهد منه يشهد بصحة دعواي ( وآتاني رحمة من عنده ) بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة ، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة وبالرحمة النبوة . فإن قلت فقوله ( فعميت ) ظاهر على الوجه الأول ، فما وجهه عن الوجه الثاني وحقه أن يقال فعميتا ؟ قلت : الوجه أن