فرحون . قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون .
قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله
بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون . قل أنفقوا طوعا أو كرها
لن يتقبل منكم
شرح
فرحون ) مسرورون ، وقيل تولوا : أعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قرأ ابن مسعود رضي الله عنه
( قل هل يصيبنا ) . وقرأ طلحة رضي الله عنه هل يصيبنا بتشديد الياء ، ووجهه أن يكون يفيعل لا يفعل لأنه من
بنات الواو لقولهم الصواب وصاب السهم يصوب ومصاوب في جمع مصيبة فحق يغعل منه يصوب ، ألا ترى
إلى قولهم صوب رأيه إلا أن يكون من لغة من يقول صاب السهم يصيب ومن قوله :
* أسهمي الصائبات والصيب * واللام في قوله ( إلا ما كتب الله لنا ) مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل : لن
يصيبنا إلا ما اختصنا الله بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة ، ألا ترى إلى قوله ( هو مولانا ) أي الذي
يتولانا ونتولاه - ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم - ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وحق
المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله فليفعلوا ما هو حقهم ( إلا إحدى الحسنيين ) إلا إحدى العاقبتين اللتين كل
واحدة منهما هي حسنى العواقب وهما النصرة والشهادة ( ونحن نتربص بكم ) إحدى السوأتين من العواقب : إما
( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود ( أو ) بعذاب ( بأيدينا ) وهو
القتل على الكفر ( فتربصوا ) بنا ما ذكرنا من عواقبنا ( إنا معكم متربصون ) ما هو عاقبتكم فلابد أن يلقى كلنا
ما يتربصه لا يتجاوزه ( أنفقوا ) يعنى في سبيل الله ووجوه البر ( طوعا أو كرها ) نصب على الحال : أي طائعين
أو مكروهين . فإن قلت : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال ( لن يتقبل منكم ) ؟ قلت : هو أمر في معنى الخبر كقوله
تبارك وتعالى - قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا - ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها ، ونحوه
قوله تعالى - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وقوله : * أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * أي لن يغفر الله لهم
استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت . فإن قلت : متى يجوز نحو هذا ؟ قلت : إذا
دل الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك : رحم الله زيدا وغفر له . فإن قلت : لم فعل ذلك ؟ قلت : لنكتة فيه ،
وهى أن كثيرا كأنه يقول لعزة : امتحني لطف محلك عندي وقوة محبتي لك وعامليني بالإساءة والإحسان ،
وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة ، وفي معناه قول القائل :
أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا * لتضربه لم يستغشك في الود
وكذلك المعنى : أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم و - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وانظر هل ترى اختلافا بين
حال الاستغفار وتركه . فأن قلت : ما الغرض في نفى التقبل أهو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله منهم
ورده عليهم ما يبذلون منه ، أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهبا هباء لاثواب له ؟ قلت : يحتمل الأمرين
جميعا ، وقوله - طوعا أو كرها - معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين ، وسمعي الإلزام إكراها لأنهم
منافقون ، فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه ، أو طائعين من غير اركاه من رؤسائكم لأن رؤساء أهل
النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . وروى أنها نزلت في الجد بن