تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
فرحون . قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون . قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون . قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم
شرح
فرحون ) مسرورون ، وقيل تولوا : أعرضوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قرأ ابن مسعود رضي الله عنه ( قل هل يصيبنا ) . وقرأ طلحة رضي الله عنه هل يصيبنا بتشديد الياء ، ووجهه أن يكون يفيعل لا يفعل لأنه من بنات الواو لقولهم الصواب وصاب السهم يصوب ومصاوب في جمع مصيبة فحق يغعل منه يصوب ، ألا ترى إلى قولهم صوب رأيه إلا أن يكون من لغة من يقول صاب السهم يصيب ومن قوله : * أسهمي الصائبات والصيب * واللام في قوله ( إلا ما كتب الله لنا ) مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل : لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو الشهادة ، ألا ترى إلى قوله ( هو مولانا ) أي الذي يتولانا ونتولاه - ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم - ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله فليفعلوا ما هو حقهم ( إلا إحدى الحسنيين ) إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب وهما النصرة والشهادة ( ونحن نتربص بكم ) إحدى السوأتين من العواقب : إما ( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود ( أو ) بعذاب ( بأيدينا ) وهو القتل على الكفر ( فتربصوا ) بنا ما ذكرنا من عواقبنا ( إنا معكم متربصون ) ما هو عاقبتكم فلابد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه ( أنفقوا ) يعنى في سبيل الله ووجوه البر ( طوعا أو كرها ) نصب على الحال : أي طائعين أو مكروهين . فإن قلت : كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال ( لن يتقبل منكم ) ؟ قلت : هو أمر في معنى الخبر كقوله تبارك وتعالى - قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا - ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها ، ونحوه قوله تعالى - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وقوله : * أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * أي لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت . فإن قلت : متى يجوز نحو هذا ؟ قلت : إذا دل الكلام عليه كما جاز عكسه في قولك : رحم الله زيدا وغفر له . فإن قلت : لم فعل ذلك ؟ قلت : لنكتة فيه ، وهى أن كثيرا كأنه يقول لعزة : امتحني لطف محلك عندي وقوة محبتي لك وعامليني بالإساءة والإحسان ، وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت أو محسنة ، وفي معناه قول القائل : أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا * لتضربه لم يستغشك في الود وكذلك المعنى : أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم و - استغفر لهم أو لا تستغفر لهم - وانظر هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه . فأن قلت : ما الغرض في نفى التقبل أهو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله منهم ورده عليهم ما يبذلون منه ، أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهبا هباء لاثواب له ؟ قلت : يحتمل الأمرين جميعا ، وقوله - طوعا أو كرها - معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله أو ملزمين ، وسمعي الإلزام إكراها لأنهم منافقون ، فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه ، أو طائعين من غير اركاه من رؤسائكم لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه أو مكرهين من جهتهم . وروى أنها نزلت في الجد بن
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 195 | الزمخشري