تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين . لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين . إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم
شرح
والزمني الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت وهم القاعدون والخالفون والخوالف ويبينه قوله تعالى - رضوا بأن يكونوا مع الخوالف - . ( إلا خبالا ) ليس من الاستثناء المنقطع في شئ كما يقولون ، لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك ؟ ما زادوكم خيرا إلا خبالا ، والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور ، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشئ فكان استثناء متصلا ، لأن الخبال بعض أعم العام ، كأنه قيل : ما زادوكم شيئا إلا خبالا . والخبال : الفساد والشر ( ولأوضعوا خلالكهم ) ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين ، يقال وضع البعير وضعا إذا أسرع وأوضعته أنا ، والمعنى : ولأوضعوا ركائبهم بينكم والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي . وقرأ ابن الزبير رضي الله عنه ولأرقصوا من رقصت الناقة رقصا إذا أسرعت وأرقصتها ، قال : * والمراقصات إلى منى فالغبغب * وقرئ ولأوفضوا . فإن قلت : كيف خط في المصحف ولا أوضعوا بزيادة ألف ؟ قلت : كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن ، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحتها ألفا أخرى ، ونحوه أو - لا أذبحنه - ( يبغونكم الفتنة ) يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا نياتكم في مغزاكم ( وفيكم سماعون لهم ) أي نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم ، أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم ( لقد ابتغوا الفتنة ) أي العنت ونصب الغوائل والسعي في تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف بمن معه . وعن ابن جريج رضي الله عنه . وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به ( من قبل ) من قبل غزوة تبوك ( وقبلوا لك الأمور ) ودبروا لك الحيل والمكايد ودوروا الآراء في إبطال أمرك . وقرئ وقلبوا بالتخفيف ( حتى جاء الحق ) وهو تأييدك ونصرك ( وظهر أمر الله ) وغلب دينه وعلا شرعه ( ائذن لي ) في القعود ( ولا تفتني ) ولا توقعني في الفتنة وهى الإثم بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت . وقيل ولا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي ، وقيل قال الجد بن قيس قد علمت الأنصار أنى مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر : يعنى نساء الروم ولكني أعينك بمالي فاتركني . وقرئ ولا تفتني من أفتنه ( ألا في الفتنة سقطوا ) أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهى فتنة التخلف ، وفي مصحف أبى رضي الله عنه سقط لأن " من " موحد اللفظ مجموع المعنى ( لمحيطة بالكافرين ) يعنى أنها تحيط بهم يوم القيامة أو هي محيطة بهم الآن لأن أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها ( إن تصبك ) في بعض الغزوات ( حسنة ) ظفر وغنيمة ( تسؤهم وإن تصبك مصيبة ) نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى في يوم أحد يفرحوا بحالهم في الانحراف عنك ، و ( يقولوا قد أخذنا أمرنا ) أي أمرنا الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ( من قبل ) من قبل ما وقع . وتولوا عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له إلى أهاليهم ( وهم
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 194 | الزمخشري