إنكم كنتم قوما فاسقين . وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله
وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون . فلا
تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق
أنفسهم وهم كافرون . ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم
يفرقون . لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون . ومنهم
من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون .
شرح
قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا مالي أعينك به فاتركنى ( إنكم ) تعليل
لرد إنفاقهم . والمراد بالفسق التمرد والعتو ( أنهم ) فاعل منع وهم . وأن يتقبل مفعولاه . وقرئ أن تقبل بالتاء والياء
على البناء للمفعول ونفقاتهم ونفقتهم على الجمع والتوحيد . وقرأ السلمي أن يقبل منهم نفقاتهم على أن الفعل لله عز
وجل ( كسالى ) بالضم والفتح جمع كسلان نحو سكارى وغيارى في جمع سكران وغيران ، وكسلهم لأنهم لا يرجون
بصلاتهم ثوابا ولا يخشون بتركها عقابا فهي ثقيلة عليهم كقوله تعالى - وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين - وقرأت
في بعض الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره للمؤمن أن يقول كسلت كأنه ذهب إلى هذه الآية ، فإن
الكسل من صفات المنافقين ، فما ينبغي أن يسنده المؤمن إلى نفسه . فإن قلت : الكراهية خلاف الطواعية وقد
جعلهم الله تعالى طائعين في قوله طوعا ثم وصفهم بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون . قلت : المراد بطوعهم أنهم
يبذلونه من غير إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رؤسائهم ، وما طوعهم ذاك إلا عن كراهية
واضطرار لا عن رغبة واختيار . الإعجاب بالشئ أن يسر به سرور راض به متعجب من حسنه ، والمعنى : فلا
تستحسن ولا تفتتن بما أوتوا من زينة الدنيا كقوله تعالى - ولا تمدن عينيك - فإن الله تعالى إنما أعطاهم ما أعطاهم
للعذاب بأن عرضه للتغنم والسبي ، وبلاهم يه بالآفات والمصائب ، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير وهم
كارهون له على رغم أنوفهم ، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم . فإن قلت :
إن صح تعليق التعذيب بإرادة الله تعالى فما بال زهوق أنفسهم ( وهم كافرون ) ؟ قلت : المراد الاستدراج بالنعم
كقوله تعالى - إنما نملي لهم ليزدادوا إثما - كأنه قيل : ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون
ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة ( لمنكم ) لمن جملة المسلمين ( يفرقون ) يخافون القتل وما يفعل بالمشركين فيتظاهرون
بالإسلام تقية ( ملجأ ) مكانا يلجئون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة ( أو مغارات ) أو غيرانا .
وقرئ بضم الميم من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور ، وقيل هو تعدية غار الشئ وأغرته أنا يعنى أمكنة يغيرون
فيها أشخاصهم ، ويجوز أن يكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومفار ( أو مدخلا ) أو نفقا يندسون
فيه وينحجزون وهو مفتعل من الدخول . وقرئ مدخلا من دخل ومدخلا من أدخل مكانا يدخلون فيه أنفسهم
وقرأ أبي بن كعب رضي الله عنه متدخلا . وقرئ لوألوا إليه لالتجأوا إليه ( يجمحون ) يسرعون إسراعا لا يردهم
شئ ، من الفرس الجموح وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام . وقرأ أنس رضي الله عنه يجمزون ، فسئل فقال :
يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد ( يلمزك ) يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك ، قيل هم المؤلفة قلوبهم ،