تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
يترددون . ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين .
شرح
( يترددون ) عبارة عن التحير ، لأن التردد ديدن المتحير ، كما أن الثبات والاستقرار ديدن المستبصر . قرئ عده بمعنى عدته فعل بالعدة ما فعل بالعدوة من قال : * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا * من حذف تاء التأنيث وتعويض المضاف إليه منها . وقرئ عدة بكسر العين بغير إضافة وعده بإضافة . فإن قلت : كيف موقع حرف الاستدراك ؟ قلت : لما كان قوله " ولو أرادوا الخروج " معطيا معنى نفى خروجهم واستعدادهم للغزو قيل ( ولكن كره الله انبعاثهم ) كأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة ابنعائهم كما تقول : ما أحسن إلى زيد ولكن أساء إلى ( فثبطهم ) فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث ( وقيل اقعدوا ) جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة الخروج أمرا بالقعود ، وقيل هو قول الشيطان بالوسوسة ، وقيل هو قولهم لأنفسهم ، وقيل هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود . فإن قلت : كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهى قبيحة ، وتعالى الله عن إلهام القبيح ؟ قلت : خروجهم كان مفسدة لقوله - لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا - فكان إيقاع كراهة ذلك الخروج في نفوسهم حسنا ومصلحة . فإن قلت : فلم خطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن لهم فيما هو مصلحة ؟ قلت : لأن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول بإعلام الله تعالى ، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه ، فكان عليه أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوز في قبولها ، فمن ثم أتاه العتاب . ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط الله إياهم مصلحة أخرى فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة ، وذلك أنه إذا ثبطهم الله فلم ينبعثوا وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت عليهم الحجة ولم تبق لهم معذرة ، ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك أستارهم كشف أسرارهم وشهد عليهم بالنفاق وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر . فإن قلت : ما معنى قوله ( مع القاعدين ) ؟ قلت : هو ذم لهم وتعجيز وإلحاق بالنساء والصبيان
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 193 | الزمخشري