وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم . انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم
وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون . لو كان عرضا قريبا
وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا
لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون .
شرح
والأحزاب وحنين . وكلمة الذين كفروا دعوتهم إلى الكفر ( وكلمة الله ) دعوته إلى الإسلام . وقرئ كلمة الله
بالنصب والرفع أوجه ، و ( هي ) فصل أو مبتدأ ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو وأنها المختصة به دون سائر
الكلم ( خفافا وثقالا ) خفافا في النفور لنشاطكم له ، وثقالا عنه لمشقته عليكم ، أو خفافا لقلة عيالكم وأذيالكم ،
وثقالا لكثرتها ، أو خفافا من السلاح ، وثقالا منه ، أو ركبانا ومشاة ، أو شبابا وشيوخا ، أو مهازيل وسمانا ،
أو صحاحا ومراضا . وعن ابن أم مكتوم " أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعلى أن أنفر ؟ قال : نعم حتى
نزل قوله - ليس على الأعمى حرج " وعن ابن عباس نسخت بقوله - ليس على الضعفاء ولا على المرضى - وعن
صفوان بن عمرو كنت واليا على حمص فلقيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو ،
فقلت : يا عم لقد أعذر الله إليك ، فرفع حاجبيه وقال : يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا ، ألا إنه من يحبه
الله يبتله . وعن الزهري خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه ، فقيل له : إنك عليل صاحب
ضرر ، فقال : استنفرنا الله الخفيف والثقيل ، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ( وجاهدوا
بأموالكم وأنفسكم ) إيجاب للجهاد بهما إن أمكن أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة . العرض : ما عرض لك
من منافع الدنيا ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر : أي لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال
( وسفرا قاصدا ) وسطا مقاربا ( الشقة ) المسافة الشاطة الشاقة . وقرأ عيسى بن عمر بعدت عليهم الشقة بكسر العين
والشين ، ومنه قوله :
يقولون لا تبعد وهم يدفنونه * ولا بعد إلا ما توارى الصفائح
( بالله ) متعلق بسيحلفون ، أو هو من جملة كلامهم ، والقول مراد في الوجهين : أي سيحلفون يعنى المتخلفين
عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين يقولون بالله ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) أو سيحلفون بالله يقولون لو
استطعنا . وقوله لخرجنا سد مسد جوابي القسم ولو جميعا ، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول من حلفهم
واعتذارهم ، وقد كان من جملة المعجزات ، ومعنى الاستطاعة : استطاعة العدة أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا
وقرئ لو استطعنا بضم الواو تشبيها لها بواو الجمع في قوله فتمنوا الموت ( يهلكون أنفسهم ) إما أن يكون بدلا
من سيحلفون أو حالا بمعنى مهلكين ، والمعنى : أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب وما يحلفون عليه من
التخلف ، ويحتمل أن يكون حالا من قوله " لخرجنا " أي لخرجنا معكم وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما
نحملها من المسير في تلك الشقة ، وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم ، ألا ترى أنه لو قيل سيحلفون بالله لو
استطاعوا لخرجوا لكان سديدا ، يقال حلف بالله ليفعلن ولأفعلن ، فالغيبة على حكم الإخبار والتكلم على الحكاية