فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ، واتقوا الله إن الله غفور رحيم . يا أيها النبي قل
لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم
ويغفر لكم والله غفور رحيم . وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن
منهم والله عليم حكيم . إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
في سبيل الله والذين آووا ونصروا
شرح
وقيل إن أهل بدر مغفور لهم . وقيل إنه لا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهى ولم يتقدم نهى عن ذلك
( فكلوا مما غنمتم ) روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت . وقيل هو إباحة للفداء لأنه من جملة
الغنائم ( واتقوا الله ) فلا تقدموا على شئ لم يعهد إليك فيه . فإن قلت : ما معنى الفاء ؟ قلت : التسبيب والسبب
محذوف معناه : قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم . حلالا نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر : أي
أكلا حلالا ، وقوله ( إن الله غفور رحيم ) معناه : أنكم إذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن
يؤذن لكم فيه غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم ( في أيديكم ) في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم . وقرئ من
الأسرى ( في قلوبكم خيرا ) خلوص إيمان وصحة نية ( يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ) من الفداء أم أن يخلفكم في الدنيا
أضعافه أو يثيبكم في الآخرة . وفي قراءة الأعمش يثبكم خيرا . وعن العباس رضي الله عنه أنه قال " كنت مسلما
لكنهم استكرهوني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك ، فأما ظاهر أمرك
فقد كان علينا " وكان أحد الذين ضمنوا إطعام أهل بدر وخرج بالذهب لذلك . وروى أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال للعباس " افد ابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث ، فقال : يا محمد تركتني أتكفف
قريشا ما بقيت ، فقال له : فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة ؟ وقلت لها : لا أدرى
ما يصيبني في وجهي هذا ، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل ، فقال العباس : وما
يدريك ؟ قال : أخبرني به ربى ، قال العباس : فأنا أشهد أنك صادق ، وأن لا إله إلا الله ، وأنك عبده
ورسوله ، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتابا في أمرك ، فأما إذا
أخبرتني بذلك فلا ريب . قال العباس رضي الله عنه : فأبدلني الله خيرا من ذلك ، لي الآن عشرون عبدا إن
أدناهم ليضرب في عشرين ألفا ، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من
ربى " . وروى " أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفا ، فتوضأ لصلاة الظهر وما
صلى حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول : هذا خير مما أخذ منى وأرجو
المغفرة " . وقرأ الحسن وشيبة مما أخذ منكم على البناء للفاعل ( وإن يريدوا خيانتك ) نكث ما بايعوك عليه من الإسلام
والردة واستحباب دين آبائهم ( فقد خانوا الله من قبل ) في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه ( فأمكن
منهم ) كما رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة . وقيل المراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء الذين