تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الله ومن اتبعك من المؤمنين . يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قو لا يفقهون . الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين .
شرح
ورؤساءهم ودق جماجمهم ، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى ، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس ، وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها وتكرهه وتنفر عنه ، فأنساهم الله تعالى ذلك كله حتى اتفقوا على الطاعة وتصافوا وصاروا أنصارا وعادوا أعوانا ، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته ( ومن اتبعك ) الواو بعني مع وما بعده منصوب تقول : حسبك وزيدا درهم ، ولاتجر لأن عطف الظاهر الجرور على المكنى ممتنع ، قال * فحسبك والضحاك عضب مهند * والمعنى : كفاك وكفى تباعك من المؤمنين الله ناصرا ، أو يكون في محل الرفع : أي كفاك الله وكفاك المؤمنون ، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه . وعن سعيد بن جبير أنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، ثم أسلم عمر فنزلت . التحريض : المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت ، أو أن تسميه حرضا وتقول له : ما أراك إلا حرضا في هذا الأمر وممرضا فيه ليهيجه ويحرك منه ، يقال حركه وحرضه وحرشه وحربه بمعنى . وقرئ حرص بالصاد غير المعجمة ، حكاها الأخفش من الحرص . وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده ثم قال ( بأنهم قوم لا يفقهون ) أي بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم ، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ويستحقون خذلانه ، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى . وعن ابن جريج : كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد منهم للعشرة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حمزة رضي الله عنه في ثلاثين راكبا ، فلقى أبا جهل في ثلاثمائة راكب ، قيل ثم ثقل عليهم ذلك وضجوا منه وذلك بعد مدة طويلة ، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين . وقيل كان فيهم قلة في الابتداء ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف . وقرئ ضعفا بالفتح والضم كالمكث والمكث والفقر والفقر ضعفاء جمع ضعيف . وقرئ الفعل المسند إلى المائة بالتاء والياء في الموضعين ، والمراد بالضعف الضعف في البدن ، وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين ، وكانوا متفاوتين في ذلك . فإن قلت : لم كرر المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده ؟ قلت : للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت ، لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف ، وذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين . قرئ للنبي على
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 167 | الزمخشري