تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون . وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم . وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ، هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين . وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم . يا أيها النبي حسبك
شرح
به كقوله - وجبريل وميكال - وعن ابن سيرين رحمه الله أنه سئل عمن أوصى بثلث ما له في الحصون فقال : يشترى به الخيل فترابط في سبيل الله ويغزى عليها ، فقيل له : إنما أوصى في الحصون ، فقال : ألم تسمع قول الشاعر : * إن الحصون الخيل لامدر القرى * ( ترهبون ) قرئ بالتخفيف والتشديد . وقرأ ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما تخزون والضمير في ( به ) راجع إلى ما استطعتم ( عدو الله وعدوكم ) هم أهل مكة ( وآخرين من دونهم ) هم اليهود وقيل المنافقون . وعن السدى هم أهل فارس ، وقيل كفرة الجن ، وجاء في الحديث " إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق " وروى أن صهيل الخيل يرهب الجن . جنح له وإليه : إذا مال . والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهى الحرب . قال : السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع وقرئ بفتح السين وكسرها . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية منسوخة بقوله تعالى - قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله - وعن مجاهد بقوله - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم ، وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا أو يجابوا إلى الهدنة أبدا . وقرأ الأشهب العقيلي فاجنح بضم النون ( وتوكل على الله ) ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم ، فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم . قال مجاهد : يريد قريظة ( فإن حسبك الله ) فإن محسبك الله ، قال جرير : إني وجدت من المكارم حسبكم * أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا ( وألف بين قلوبهم ) التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة ، لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة في أدنى شئ وإلقائه بين أعينهم إلى أن ينتقموا لا يكاد يأتلف منهم قلبان ، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتحدوا وأنشئوا يرمون عن قوس واحدة ، وذلك لما نظم الله من ألفتهم وجمع من كلمتهم وأحدث بينهم من التحاب والتواد ، وأماط عنهم من التباغض والتماقت ، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله ، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب فهو يقلبها كما شاء ويصنع فيها ما أراده . قيل هم الأوس والخزرج ، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 166 | الزمخشري