أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ
حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم
ميثاق والله تعملون بصير . والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن
فتنة في الأرض وفساد كبير . والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين
آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم . والذين آمنوا من
بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله إن الله بكل شئ عليم .
شرح
هاجروا : أي فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ورسوله هم المهاجرون . والذين آووهم إلى ديارهم ونصروهم على
أعدائهم هم الأنصار ( بعضهم أولياء بعض ) أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث ، وكان المهاجرون والأنصار
يتوارثون بالهجرة والنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله تعالى - وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض - .
وقرئ من ولايتهم بالفتح والكسر : أي من توليهم في الميراث ، ووجه الكسر أن تولى بعضهم بعضا شبه بالعمل
والصناعة كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمرا ويباشر عملا ( فعليكم النصر ) فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين
( إلا على قوم ) منهم ( بينكم وبينهم ) عهد فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدئون بالقتال إذ الميثاق مانع
من ذلك ( والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) ظاهره إثبات الموالاة بينهم كقوله تعالى في المسلمين - أولئك
بعضهم أولياء بعض - ومعناه : نهى المسلمين عن موالاة الذين كفروا وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم
وإن كانوا أقارب وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا ، ثم قال ( إلا تفعلوه ) أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل
المسلمين وتولى بعضهم بعضا حتى في التوارث تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة ، ولم تقطعوا العلائق بينكم
وبين الكفار ، ولم تجعلوا قرابتهم كلا قرابة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا
واحدة على الشرك كان الشرك ظاهرا والفساد زائدا . وقرئ كثير بالثاء ( أولئك هم المؤمنون حقا ) لأنهم صدقوا
إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والانسلاح من المال لأجل الدين ، وليس
بتكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم والشهادة لهم مع الموعد الكريم ، والأولى للأمر بالتواصل ( والذين آمنوا
من بعد ) يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة كقوله - والذين جاءوا من بعدهم يقولوا ربنا اغفر لنا ولإخواننا
الذين سبقونا بالإيمان - ألحقهم بهم وجعلهم منهم تفضلا منه وترغيبا ( وأولوا الأرحام ) أولوا القرابات أولى
بالتوارث ، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة ( في كتاب الله ) تعالى في حكمه وقسمته ، وقيل في اللوح ، وقيل
في القرآن وهو آية المواريث . وقد استدل به أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على توريث ذوي الأرحام عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة ، وشاهد أنه برئ من النفاق
وأعطى عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة . وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا " .