تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
شرح
التعريف وأسارى ويثخن بالتشديد ، ومعنى الإثخان : كثرة القتل والمبالغة فيه من قولهم أثخنته الجراحات إذا أثبتته حتى تثقل عليه الحركة ، وأثخنه المرض إذا أثقله ، ومن الثخانة التي هي الغلظ والكثافة : يعنى حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله ، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك ، ومعنى ( ما كان ) ما صح له وما استقام وكان هذا يوم بدر ، فلما كثر المسلمون نزل - فإما منا بعد وإما فداء - وروى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب ، فاستشار أبا بكر رضي الله عنه فيهم فقال : قومك وأهلك أستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك . وقال عمر رضي الله عنه : كذبوك وأخرجوك فقد مهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وأن الله أغناك عن الفداء ، مكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فنضرب أعناقهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال - فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم - ومثلك يا عمر مثل نوح قال - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - ثم قال لأصحابه : أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق " . وروى " أنه قال لهم : إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم ، فقالوا : بل نأخذ الفداء ، فاستشهدوا بأحد ، وكان فداء الأسارى عشرين أوقية ، وفداء العباس أربعين أوقية " . وعن محمد ابن سيرين : كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهما وستة دنانير . وروى " أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية ، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني ، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت ، فقال : أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه " . وروى أنه قال " لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ " رضي الله عنهما لقوله - كان الإدمان في القتل أحب إلى " ( عرض الدنيا ) حطامها سمى بذلك لأنه حدث قليل اللبث يريد الفداء ( والله يريد الآخرة ) يعنى ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وقرئ يريدون بالياء ، وقرأ بعضهم والله يريد الآخرة بجر الآخرة على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله كقوله : أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد بالليل نارا ومعناه : والله يريد عرض الآخرة على التقابل : يعنى ثوابها ( والله عزيز ) يغلب أولياءه على أعدائه ويتمكنون منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم الفداء ، ولكنه ( حكيم ) يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا وهم يعجلون ( لولا كتاب من الله سبق ) لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم ، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأفل لشوكتهم . وقيل كتابه أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها .