ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله
يريد الآخرة ، والله عزيز حكيم . لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
شرح
التعريف وأسارى ويثخن بالتشديد ، ومعنى الإثخان : كثرة القتل والمبالغة فيه من قولهم أثخنته الجراحات إذا أثبتته
حتى تثقل عليه الحركة ، وأثخنه المرض إذا أثقله ، ومن الثخانة التي هي الغلظ والكثافة : يعنى حتى يذل الكفر
ويضعفه بإشاعة القتل في أهله ، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر ثم الأسر بعد ذلك ، ومعنى ( ما كان )
ما صح له وما استقام وكان هذا يوم بدر ، فلما كثر المسلمون نزل - فإما منا بعد وإما فداء - وروى " أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب ، فاستشار أبا بكر رضي الله عنه
فيهم فقال : قومك وأهلك أستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك . وقال عمر رضي الله عنه
: كذبوك وأخرجوك فقد مهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر ، وأن الله أغناك عن الفداء ، مكن
عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فنضرب أعناقهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله
ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن
مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال - فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم - ومثلك يا عمر مثل نوح قال
- رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - ثم قال لأصحابه : أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو
ضرب عنق " . وروى " أنه قال لهم : إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم ، فقالوا : بل
نأخذ الفداء ، فاستشهدوا بأحد ، وكان فداء الأسارى عشرين أوقية ، وفداء العباس أربعين أوقية " . وعن محمد
ابن سيرين : كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهما وستة دنانير . وروى " أنهم لما أخذوا الفداء نزلت
الآية ، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : يا رسول الله أخبرني ، فإن
وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت ، فقال : أبكى على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض على
عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه " . وروى أنه قال " لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر
وسعد بن معاذ " رضي الله عنهما لقوله - كان الإدمان في القتل أحب إلى " ( عرض الدنيا ) حطامها سمى بذلك
لأنه حدث قليل اللبث يريد الفداء ( والله يريد الآخرة ) يعنى ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل
وقرئ يريدون بالياء ، وقرأ بعضهم والله يريد الآخرة بجر الآخرة على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على
حاله كقوله :
أكل امرئ تحسبين امرأ * ونار توقد بالليل نارا
ومعناه : والله يريد عرض الآخرة على التقابل : يعنى ثوابها ( والله عزيز ) يغلب أولياءه على أعدائه ويتمكنون
منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم الفداء ، ولكنه ( حكيم ) يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا وهم يعجلون ( لولا كتاب
من الله سبق ) لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد لأنهم
نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم ، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله ، وخفى
عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم وأفل لشوكتهم . وقيل كتابه أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها .